أحكام مدنية

الطعن المدني رقم 113 / 43 ق أعضاء إدارة المحاماة العامة ( الشعبية ) لا يتمتعون بالحصانة

    المحكمة العليــــــا

بسم الله الرحمن الرحيم

بإســــم الشعب

( الدائــــرة المدنيــــة )

 

  بجلستهــــا المنعقـــــدة علنــــــــــاً صبـــــــــــــــاح يـــــــوم الاثنين 12 محــــــــــــــرم الموافق : 17 / 4 / 1430  ميلادية – 2000 افرنجي بمقر المحكمة العليا بمدينة طرابلس .

برئاســــة المستشــــار الأستاذ : أحمـــد الطــــاهر الـــــــزاوي     ( رئيس الدائرة )

وعضوية المستشارين الأستاذ : عــــــزام علي الــديب

                     والأستاذ : جمـعة صالح الفيتوري

وبحضور رئيس النيابة

            بنيابة النقض الأستاذ : جبريل الفيتوري بن صالح

ومديــــر إدارة التسجيــــــــــــل : جمعـة محمـــــد الأشهـــــــر  

 

أصدرت الحكم الآتي

في قضية الطعن المدني رقم 113 / 43  ق

المقدم من : ع..... ف...... ،...........

وتنوب عنه ( إدارة المحاماة الشعبية )

ضد : 1- غ... ال.........

        2- رئيس نيابة بنغازي

عن الحكم الصادر من محكمة استئناف بنغازي الدائرة المدنية بتاريخ : 2 / 10 / 1995 ف في الاستئناف رقم 170 / 95  ف .

بعد الاطلاع على الأوراق وتلاوة تقرير التلخيص وسماع المرافعة الشفوية ورأي نيابة النقض والمداولة قانوناً .

الــــوقـــــائع

   أقام الطاعن دعوى مخاصمة أمام محكمة استئناف بنغازي على المطعون ضده الأول بصفته معاون نيابة بنيابة بنغازي الابتدائية طالباً قبول المخاصمة والقضاء بالتضمينات وقدرها مائتان وخمسون ألف دينار مع بطلان التصرف الصادر ضده ،م وقال شرحاً لدعواه أنه بتاريخ 6/2/1995ف ، تقدم إلى مركز شرطة رأس اعبيدة ببنغازي بشكوى ضد مجموعة من أفراد الشرطة التابعين له ، إلا أن المركز أهملها ولم يتخذ بشأنها أي إجراء من إجراءات الاستدلال ، وزيادة على ذلك صدر بالواقعة محضر جعل منه مشكواً فيه بدلاً من شاك ، ولما أحيلت الأوراق إلى النيابة العامة قصر عضو النيابة المخاصم في الإلمام بمحتويات المستندات وأصدر أمراً بضبطه وإحضاره وتوقيفه لمدة ثلاث وعشرين ساعة في المركز وعرضه للإهانة وقذفه بعبارات لا تليق بشرف الإنسان وكرامته رغم صفته كمحام بإدارة المحاماة الشعبية وحصانته القضائية ، وهو ما يعتبر خطأ مهنياً جسيماً مصحوباً بالغدر والغش وألحق به ضرراً مادياً ومعنوياً ، وخلص إلى طلباته سالفة الذكر ، وقضت المحكمة بعدم قبول المخاصمة .

( وهذا هو الحكم المطعون فيه )

 

الإجــــــــــــراءات

   صدر الحكم المطعون فيه بتاريخ 12 / 10 / 1995 ف ، ولا يوجد بالأوراق ما يفيد إعلانه ، وقرر أحد أعضاء إدارة المحاماة الشعبية الطعن على الحكم بطريق النقض نيابة عن الطاعن بتقرير لدى قلم كتاب المحكمة العليا بتاريخ 15 / 2 / 1996 ف ، مسدداً الرسم والكفالة ومودعاً مذكرة بأسباب الطعن ومذكرة شارحة وسند إنابته وصورة رسمية من الحكم المطعون فيه ، ثم أودع بتاريخ 26 / 12 / 1996 ف ، أصل ورقة إعلان الطعن معلنة إلى المطعــون ضــــده الأول بذات التــاريخ وإلى المطعون ضـــده الثاني في اليوم السابق ، وقدمت نيابة النقض مذكرة أبدت فيها رأيها بقبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً وبالجلسة المحددة لنظر الطعن أصرت على رأيها .

 

الأسبـــــــاب

حيث أن الطعن استوفى أوضاعه المقررة في القانون ، فإنه يكون مقبولاً شكلاً .

وحيث ينعى الطاعن على الحكم المطعون فيه بمخالفة القانون والخطأ في تطبيقه من الوجوه الآتية :

1- أن الحكم قضى بعدم تمتع أعضاء إدارة المحاماة الشعبية بالحصانة الجنائية مخالفاً بذلك أحكام القانون رقم 4 لسنة 1981ف ، بإنشاء إدارة المحاماة الشعبية الذي ينص على أنها من الهيئات القضائية وأنه يسرى على رئيسها ووكلائها وأعضائها بالنسبة للتعيينات والأقدميات والعلاوات والإجازات وتقدير درجة الكفاية والندب والإعارة والتأديب وإنهاء الخدمة والحقوق التقاعدية ما يسرى على شاغلي وظائف القضاء والنيابة العامة المعادلة لوظائفهم ، كما نص صراحة على تطبيق القواعد الواردة بقانون نظام القضاء فيما لم يرد به نص خاص بقانون المحاماة الشعبية .

2- أن الحكم ذهب إلى أن النقل بين رجال القضاء الجالس لا يجوز إلا من محكمة إلى أخرى وليس من وظيفة القضاء الجالس إلى غيرها من وظائف القضاء الأخرى كإدارة المحاماة الشعبية أو إدارة القضايا ، وانتقد الحكم المشرع عندما نص في المادة 15 من قانون إدارة المحاماة الشعبية على نقل القضاء الواقف والجالس إلى إدارة المحاماة الشعبيــة ، وأعتبر وجود هذه المادة انتهــاكاً للضمانات الوظيفية الجوهرية لرجال القضاء ، مع أن الواضح من صراحة نصوص قوانين نظــام القضاء وإدارة المحاماة الشعبية وإدارة القضايا أن الاختلاف بين أعضاء هذه الهيئات مرجعه طبيعة الأعمال المسندة إلى كل طائفة لتحقيق العدالة ، ومن ثم فإن أعضاء إدارة القضايا وإدارة المحاماة الشعبية هم من رجال القضاء الواقف يمارسون المحاماة أمام المحاكم وهم أعضاء في هيئات قضائية ، وبالتالي فإن مراكزهم الوظيفية تتساوى مع شاغلي وظائف القضاء والنيابة العامة ، ويتمتعون بالحصانة الوظيفية والتأديبية والجنائية التي يتمتع بها رجال القضاء الجالس .

3- أن الحكم أخرج أعضاء إدارة القضايا وإدارة المحاماة الشعبية من حالات الإذن السلبي المنصوص عليها في قانون نظام القضاء ، مع أن المشرع وضع قيوداً عند أي إجراء من إجراءات التحقيق ضد عضو الهيئة القضائية لتوفير الضمانات للوظيفة التي يشغلها ، وبما أن أعضاء إدارة القضايا وإدارة المحاماة الشعبية أعضاء في هيئات قضائية ويشغلون وظائف عمومية ، فإنه لا يجوز اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق ضد أي منهم إلا بناءً على إذن من اللجنة المنصوص عليها في قانون نظام القضاء .

    وحيث أن هذه الأوجه جميعها في غير محلها ، ذلك أن الأصل العام في المسئولية الجنائية هو المساواة بين كافة الأفراد أمام القانون بحيث يخضعون لذات القواعد الموضوعية والإجرائية التي تحدد هذه المسئولية وترتب الجزاء على قيامها دون أن يكون للوظائف التي يشغلونها أي اثر في تمييز بعضهم عن البعض الآخر بأية إجراءات أو قواعد خاصة . وفي الحالات التي يرى فيها المشرع الخروج عن هذا الأصل العام عن طريق النص على إجراءات خاصة يلزم إتباعها لمساءلة فئة معينة من الأفراد جنائياً نتيجة اعتبارات معينة ، فإن ذلك يجب أن يظل في حدود تلك الاعتبارات ودونما توسع في تفسيره أو القياس عليه .

   وحيث أن المشرع إذ نص في المادتين 117 و 118 من قانون نظام القضاء على وجوب إتباع إجراءات خاصة بالقبض على رجل القضاء أو النيابة وحبسه ومحاكمته في الجنح أو الجنايات التي تقع منه ، فإن الغرض من ذلك ليس تقرير امتياز لأشخاص القضاة أو أعضاء النيابة العامة ، وإنما إحاطتهم بضمانات تكفل استقلالهم وتحميهم من تدخل السلطات الأخرى مراعاة لأهمية الدور الماط بهم وهو تحقيق العدل بين الناس والفصل فيما ينشأ بينهم من خصومات ، ومن ثم فإنه لا مجال لسريان تلك الأحكام على غيرهم من أعضاء الهيئات القضائية الأخرى إلا بناءً على نص خاص في القانون .

     وحيث أنه يبين من الرجــــوع إلى القانون رقم 4 لسنة 1981ف ، بشأن إنشاء إدارة المحامـاة الشعبية أنه بعد أن نص في المادة الثانية على أن ينشأ بأمانة العدل إدارة تسمى ( إدارة المحاماة الشعبية ) تعتبر من الهيئات القضائية ، أفرد الباب الثاني لأعضاء الإدارة حيث نص في المادة الثالثة عشر على أن يسرى على رئيس إدارة المحاماة الشعبية ووكلائها وأعضائها بالنسبة للتعيينات والأقدميات والعلاوات والإجازات وتقدير درجة الكفاية والنقل والندب والإعارة والتأديب وانتهاء الخدمة والحقوق التقاعدية ما يسرى على شاغلي وظائف القضاء والنيابة العامة المعادلة لوظائفهم ، ونص في المادة الرابعة عشر على أن يشترط فيمن يعين في وظائف إدارة المحاماة الشعبية الشروط المنصوص عليها في الفقرات 1 و 2 و 3 و 4 و 5 و 6 و 8 من المادة 43 من قانون نظام القضاء ، كما نص في المادة الثالثة والعشرين على أن يتم التفتيش على أعمال أعضاء الإدارة بالكيفية التي يتم بها التفتيش على أعمال رجال القضاء والنيابة العامة ، ثم تكلفت بقية مواد هذا الباب ببيان القواعد الأخرى التي تسري على أعضاء إدارة المحاماة الشعبية دون أن تتضمن نصاً خاصاً بسريان أحكام المادتين 117 و 118 من قانون نظام القضاء على أعضاء تلك الإدارة ولا نصاً عاماً بأن تسري عليهم الأحكام الواردة في قانون نظام القضاء فيما لم يرد بشأنه نص خاص في قانون إنشاء إدارة المحاماة الشعبية وذلك مراعاة من المشرع أن التسوية بينهم وبين القضاة وأعضاء النيابة العامة في المعاملة الوظيفية لا تقتضى بالضرورة أن تمتد هذه التسوية إلى غير ذلك من الضوابط والقيود الخاصة بالقضاة وأعضاء النيابة العامة ، بالنظر إلى الاختلاف الجوهري في طبيعة العمل الذي يؤديه أعضاء كل هيئة من الهيئات القضائية في الدولة .

ولا يغير من ذلك ما أورده قانون إدارة المحاماة الشعبية في المادة الخامسة والثلاثين التي تنص على أن تطبق القواعد الواردة بقانون نظام القضاء فيما لم يرد به نص بهذا القانون ، ذلك أن هذه المادة وردت في الباب الخاص بالأحكام العامة والانتقالية من القانون و لامجال لتطبيقها خارج هذا النطاق ، إذ أن المسائل التي تخص أعضاء إدارة المحاماة الشعبية تولي القانون تنظيمها في باب مستقل أما بوضع نصوص خاصة بها أو بالإحالة الصريحة على قانون نظام القضاء ، بما لا يدع مجالاً لأية إحالة ضمنية بشأنها .

لما كان ذلك ، وكان الواقع في دعوى المخاصمة محل الطعن أن الطاعن – وهو عضو بإدارة المحاماة الشعبية – أقامها على سند من أن عضو النيابة المخاصم لم يراع فيما اتخذه من اجراءات ضده صفته كرجل قضاء بالمخالفة لأحكام المادة 117/1 من قانون نظام القضاء ، وكان الحكم المطعون فيه قد انتهى إلى عدم قبول دعوى المخاصمة تأسيساً على أن أعضاء إدارة المحاماة الشعبية لا يتمتعون بالحصانة الجنائية الخاصة برجال القضاء الجالس والواقف مما قصدته المادة 117/1 من قانون نظام القضاء ، وأن المشرع لو أراد مساومتهم برجال القضاء والنيابة في المسائل والحصانات الجنائية لنص على ذلك صراحة ، فإنه لا يكون قد خالف القانون أو أخطأ في تطبيقه ، بما يوجب رفض الطعن .

فلهــــذه الأسبـــــاب

 

    حكمت المحكمــــة بقبول الطعن شكــــلاً وفي الموضـــوع برفضه وبإلزام الطاعن بالمصروفـــــــات .

 

    رئيس الدائرة                    المستشـــــار                     المستشـــــار

أحمد الطاهر الزاوي            عــــزام علي الديب            جمعة صالح الفيتوري

 

جمعة محمد الأشهر

مدير إدارة التسجيل

 

مــــلاحظة : نطق بهذا الحكم من الهيئة المنعقدة من المستشارين الأساتذة :

أحمد الطاهر الزاوي – محمد إبراهيم الورفلي – جمعة صالح الفيتوري