أحكام مدنية

حكم المحكمة العليا في الطعن المدني رقم 368 / 60 ق

 

* هيئة التأمين الطبي ومن بعدها شركة ليبيا للتأمين ملزمتان قانونا بتغطية المسئولية الطبية بمجرد مباشرة المشمولين بقانون المسئولية الطبية لعملهم 

* الأصل حرية القاضي في استخلاص الدليل من المصدر الذي يراه ولا يحاد عن هذا الأصل إلا بنص تشريعي صريح يحدد طريقا معينا للإثبات 

* خروج السلطة التنفيذية عن حدود التفويض الممنوح لها من السلطة التشريعة ووضع ضوابط للتعويض دون أن تكون مفوضة بذلك لا يكون القضاء ملزما بترك القواعد العامة المقررة قانونا لتقدير التعويض واتباع تلك الضوابط 

بسم الله الرحمن الرحيم
 الدائرة المدنية الرابعة 
 بجلستها المنعقدة علناً صباح يوم الأحد 27 جماد الآخر 
1438 هـ الموافق 26 / 3 / 2017 م بمقر المحكمة العليا بمدينة طرابلس 
برئاسة المستشار الأستاذ : أحمد بشير بن موسى . " رئيس الدائرة "
وعضوية المستشارين الأساتذة : بشير سعد الزياني ، مصطفى امحمد المحلس .
: فتحي عبد السلام سعد، عبد الحميد علي الزيادي
وبحضور عضو نيابة النقض الأستاذ : فتحي رمضان المنتصر
ومسجل الدائرة السيد : أنس صالح عبد القادر .
أصدرت الحكم الآتي
 في قضية الطعن المدني رقم : 368 / 60 ق 
المقدم من :
الممثل القانوني لشركة ليبيا للتأمين بصفته .
يمثله المحامي / ناصر هدية
ضد :-
)..( -8 )..( -7 )..( -4
-1 رئيس مجلس الوزراء بصفته 5- وزير الصحة بصفته .
عن الحكم الصادر من محكمة استئناف ترهونة الابتدائية الدائرة المدنية المستأنفة بتاريخ 6 / 11 / 2012  م في الاستئناف رقم 142 / 2011م 
بعد الإطلاع على الأوراق ، وتلاوة تقرير التلخيص ، وسماع المرافعة الشفوية ، ورأي نيابة
النقض ، وبعد المداولة .
الوقائع
 أقامت المطعون ضدهن من الأولى إلى الثالثة الدعوى رقم : 109 / 2006 م أمام محكمة ترهونة  
الجزئية على الممثل القانوني لشركة ليبيا للتأمين (الطاعن) وعلى كل من سلف ( المطعون ضدهما الرابع والخامس بصفتيهما ) ومدير مستشفى ترهونة المركزي ، وأمين المؤتمر الشعبي
بشعبية المرقب بصفتيهما ، قلن بيانا لها إن ابنة الأولى و هي أخت الثانية والثالثة
أدخلت إلى مستشفى ترهونه بتاريخ 27 / 5 / 2003 م  لإجراء عملية توليد وتوفيت نتيجة خطأ  طبي ارتكبه فريق معالج ــ دين بسبب ذلك جنائياــ وأضفن بأن وفاة المذكورة ألحق بهن
ضررا معنويا ، وخلصن إلى طلب إلزام المدعى عليهم بأن يدفعوا لهن مبلغ ستين ألف دينار تعويضا عن ذلك الضرر ، فقضت المحكمة بعدم قبول الدعوى لرفعها من غير ذي صفة ،
وقضت الدائرة الاستئنافية بمحكمة ترهونة الابتدائية في الاستئناف المرفوع من المدعيات تحت رقم 40 / 2007 م  بتعديل الحكم المستأنف تعديلا جزئيا وذلك بعدم قبول الدعوى  في مواجهة مدير مستشفى ترهونة المركزي ، وأمين المؤتمر الشعبي بشعبية المرقب لعدم الصفة ، وإلزام ممثلي باقي الجهات الإدارية بأن يدفعوا لكل مدعية مبلغ عشرة آلاف دينار تعويضاً عن الضرر المعنوي ، وبتأييد الحكم المستأنف فيما عدا ذلك ، فقرر
ممثلو الجهات الإدارية ( المحكوم عليهم ) الطعن في الحكم أمام دائرة الطعون المدنية بهذه المحكمة والتي قضت في الطعن رقم 940 / 55 ق  بنقض الحكم المطعون فيه وإحالة القضية 
إلى المحكمة مصدرته للفصل فيها مجددا من هيئة أخرى ، وهذه قضت بعد تحريك الاستئناف أمامها تحت رقم 142 / 2011 م بإلغاء الحكم المستأنف والقضاء بإخراج الجهات الإدارية ( المطعون ضدهما الرابع والخامس ) من الدعوى لعدم الصفة ، وإلزام الطاعن بصفته بأن يدفع للمدعيات مبلغ عشرة آلاف دينار تعويضا عما لحق بكل منهن من ضرر المعنوي
( وهذا هو الحكم المطعون فيه )
الإجراءات
 صدر هذا الحكم بتاريخ 6 / 11 / 2012 م  ولا يوجد في الأوراق ما يفيد إعلانه و بتاريخ 20 / 1 / 2013 م  
 قرر محامي الطاعن بصفته الطعن فيه بالنقض لدى قلم كتاب المحكمة العليا مسددا الرسم ومودعا الكفالة والوكالة ، ومذكرة بأسباب الطعن وأخرى شارحة ، وصورة من الحكم المطعون فيه وحافظة مستندات وبتاريخ 7 / 2 / 2013 م أودع أصل ورقة إعلان الطعن معلنة إلى المطعون ضدهما الرابع والخامس بصفتيهما بتاريخ 21 / 1 / 2013 
 وأودعت نيابة النقض مذكرة انتهت فيها  إلى الرأي برفض الطعن ، وقررت دائرة فحص الطعون إحالة الطعن إلى الدائرة المختصة ، وفي الجلسة المحددة لنظره أصرت النيابة على رأيها .
الأسباب
حيث إن الطعن استوفى أوضاعه المقررة في القانون ، فهو مقبول شكلاً .
وحيث ينعى الطاعن بصفته على الحكم المطعون فيه ، الخطأ في تطبيق القانون ، والقصور في التسبيب ، والفساد في الاستدلال ، ويبان ذلك :
1ـ إن المحكمة مصدرته قضت بإخراج المطعون ضدهما الرابع والخامس من الدعوى وإلزام الطاعن بصفته بدفع مبلغ التعويض تأسيساً على أن الشركة التي يمثلها أصبحت مسئولة عن تغطية التعويض عن المسئولية الطبية لأنها حلت محل هيئة التأمين الطبي بموجب قرار اللجنة الشعبية العامة رقم : 123 / 1430 م بإلغاء تلك الهيئة وهو قول من المحكمة مخالف لصحيح القانون لأنها قد استندت على القرار المذكور دون أن تبحث في مدى توافر الشروط المنصوص عليها في المواد 23 ، 26  من قرار اللجنة الشعبية العامة رقم 556 / 1991 م 
 بشأن هيئة التأمين الطبي ، والتي مقتضاها أن هيئة التأمين الطبي ومن بعدها شركة التأمين لا تتحمل مسئولية أي خطأ إلا في حالة قيام الطبيب بدفع أقساط الاشتراك وهو ما لم يتوافر في واقعة الدعوى .
2 ـ  إنها استندت في إثبات ركن الخطأ على تقرير الطبيب الشرعي وليس على تقرير من المجلس الطبي الأعلى وفق ما يوجبه نص المادة 27 من القانون رقم 17 لسنة 1986 بشأن
المسئولية الطبية .
3 ـ أنها أسست قضاءها بما قضت به من تعويض على أحكام القانون المدني ، وليس على أحكام قرار اللجنة الشعبية العامة رقم 236 / 1424 و ر بشأن لائحة التعويض عن الأضرار 
المادية والمعنوية الناتجة عن الأخطاء المهنية لممارسة المهن الطبية الواجب التطبيق ، ولكلذلك يكون الحكم معيبا ، بما يوجب نقضه .
وحيث إن الطعن بجميع أسبابه في غير محله ، ذلك أن دوائر هذه المحكمة مجتمعة قررت بتاريخ 10 / 10 / 2010 م أن مفاد نصوص القانون رقم 17 لسنة 1986م بشأن المسئولية  الطبية  وقرار اللجنة الشعبية العامة رقم 556 / 1991 م بشأن تنظيم هيئة التأمين الطبي أن هذه الهيئة ومن بعدها شركة ليبيا للتأمين التي حلت محلها تعد ملزمة قانونا بتعويض كل من يتضرر ماديا ومعنويا نتيجة أي خطأ من الأخطاء المهنية الناشئة عن ممارسة المهن الطبية والمهن المرتبطة بها بالنسبة للمشتركين المشمولين بالتغطية التأمينية الإلزامية ما داموا يمارسون تلك المهنة ، وأنهم يظلون بهذه المثابة مشمولين بالتغطية التأمينية دون أن تستطيع هيئة التأمين الطبي ومن بعدها شركة ليبيا للتأمين أن تتخلص من التزامها تجاههم بتغطية مسئوليتهم المدنية ، لأن التغطية التأمينية تبدأ بين الهيئة والمشترك من تاريخ مباشرة المهنة الطبية أو المهن المرتبطة بها ، كما أن دوائرها مجتمعة قررت بجلسة 23 / 3 / 2013 م العدول عن المبادئ التي تقضي بإلزام المحكمة بعرض قضايا المسئولية الطبية على المجلس الطبي بشأن مدى قيام المسئولية الطبية ، وإرساء مبدأ مفاده
حق المحكمة في اختيار طريق الإثبات الذي تراه مؤديا إلى ذلك ، وأن الأصل حرية القاضي في استخلاص الدليل من المصدر الذي يراه ، ولا يجوز الخروج عن هذا الأصل العام إلا بنص صريح في القانون يحدد طريقاً معيناً للإثبات يلزم القاضي بالاستناد إليه دون غيره ،
ولأنه وإن كانت المادة السابعة والعشرون من القانون رقم 17 لسنة 1986م بشأن المسئولية الطبية قد بينت طريقا لتقدير مدى قيام المسئولية الطبية يتمثل في الاستعانة بالمجلس الطبي ،
إلا أنها لم تنص على أن الاختصاص بذلك ينعقد حصريا للمجلس المذكور دون غيره ، كما لم ترتب أي جزاء على اعتماد المحكمة في إثبات المسئولية الطبية أو نفيها على دليل آخر يخالف ما ينتهي إليه تقرير المجلس الطبي ، وما يعزز ذلك هو إحالة عجز المادة المذكورة إلى أحكام قانون المرافعات والإجراءات الجنائية ، وهي حاسمة في عدم النص على إلزام القاضي بأن يستعين بخبير معين أو أن يؤسس قضاءه على ما ينتهي إليه تقرير ذلك الخبير . كما جرى قضاء هذه المحكمة على أن القانون رقم 17 لسنة 1986م المشار إليه قد نصفي الفقرة الأولى من مادته الثالثة والعشرين على أن " تترتب المسئولية الطبية على كل خطأ
مهني ناشي عن ممارسة نشاط طبي يسبب ضررا للغير " وأنه إذ خلا من أي نص يجيز لأية جهة أن تضع حدودا أو أسسا أو ضوابطا لتقدير التعويض المترتب على المسئولية
الطبية على خلاف مسلك المشرع بشأن التعويض عن المسئولية المدنية الناشئة عن حوادث المركبات الآلية الأمر الذي يتعين معه الرجوع بشأن تقدير التعويض المترتب على المسئولية الطبية إلى تطبيق القاعدة العامة المنصوص عليها في المادة 224
من القانون المدني ، التي تقضي بأنه إذا لم يكن التعويض مقدرا في العقد أو بنص في القانون فالقاضي هو الذي يقدره ، ذلك أن القانون سالف الذكر قد حدد الصلاحيات الممنوحة للجنة الشعبية العامة سابقا بشأن المسئولية الطبية ، فأوكل إليها في المادة السابعة والعشرينإصدار القرارات المتعلقة بتشكيل المجلس الطبي ، وتنظيمه ، وكيفية مباشرته لاختصاصاته ،
ونص في مادته الثانية والثلاثين على أن تصدر اللجنة الشعبية العامة قرارا بتنظيم هيئة التأمين الطبي وكيفية مباشرتها لاختصاصاتها وأوجه استثمارها لمواردها والفئات الملزمة بالتأمين لديها ، وقيمة أقساط التأمين وطريقة سدادها ، وغير ذلك من الأحكام المنظمة لها ، دون وجود أي نص يخول اللجنة الشعبية العامة صلاحية إصدار أي قرار أو لائحة بتقدير التعويض الناتج عن الأخطاء المهنية الناشئة عن ممارسة المهن الطبية . وكان قضاء هذه المحكمة جرى على أن القرارات التي تصدر تنفيذا لقانون معين ، يجب ألا تتضمن أي تعديل لأحكامه أو إضافة إليها أو إعفاء من تنفيذها ، كما يجب أن تكون في حدود التفويض
المنصوص عليه في القانون ، وينبني على ذلك أن المشرع عندما يفوض الجهة التنفيذية في إصدار قرار يتضمن قواعد تنظيمية لقانون معين ، فإن ذلك يكون جائزا في هذه الحدود ،
ولكن لا يجوز أن يتخذ هذا التفويض سبيلا لنقل هذه الولاية من الجهة التشريعية إلى غيرها وحيث أن القانون رقم : 17 / 1986 م  سالف الذكر لم يفوض اللجنة الشعبية العامة إلا في إصدار القرارات التي سلف بيانها ، فإن ما ورد في قرارها رقم
236 لسنة 1994 م من تحديد مبالغ معينة للتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية الناتجة عن الأخطاء المهنية لممارسي المهن الطبية والطبية المرتبطة بها ، يعتبر تجاوزا لحدود هذا
التفويض ، ولا يعتد به قانونا .
لما كان ذلك ، وكان يبين من مدونات الحكم المطعون فيه أنه ألتزم جميع هذا النظر بأن أورد تبريرا لقضائه قوله (( وحيث إن موضوع الدعوى هو خطأ طبي قام به الفريق الطبي المعالج
لبنت المستأنف الأولى وأخت المستأنفات الأخريات ، وهذا الخطأ ثابت بموجب الحكم الجنائي رقم 307 / 2007 م جنح ومخالفات ترهونة بتاريخ 28 / 12 / 2005 م ولم يتم استئنافه حتى تاريخ 30 / 1 / 2006 م ، وبالتالي فإن الخطأ ثابت من خلال هذا الحكم بحق الفريق  الطبي المعالج للمتوفاة وهم ( ... ، ... ) وحسبما أثبته التقرير الطبي رقم : 2926 / 2003 م المؤرخ في 3 / 7 / 2003 م  ، فإن أركان المسئولية الطبية ثابتة .. وبالتالي فإن المستأنف ضده السادس ملزم بتغطية المسئولية المدنية الناجمة عن وفاة ... طبقاً لأحكام القانون المدني وقانون المسئولية الطبية ، وحيث إن الخطأ ثابت وبالتالي فإن الضرر هو الآخر متحقق في شقه المعنوي ، ذلك أن المستأنفات قد تعرضن للأسى وحزن من جراء وفاة ... ، وبالتالي فإن المحكمة تقدر لهن تعويضا بمبلغ ... )) وكان ما ساقه على النحو المتقدم كافيا لحمل قضائ في منطق سديد ، واستخلاص سائغ من معينه الثابت بالأوراق ، ويتماشى مع أحكام هذه المحكمة ، فإنه لا يكون قد خالف القانون أو حاد عن الفهم السوي لمقتضى نصوصه أو شابه قصور ، الأمر الذي ينأى به عما رماه به الطاعن بصفته من عيوب ، وحيث إنه متى ما
تقدم ، فإن الطعن يكون غير قائم على أساس ، ويتعين معه رفضه .
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا ، وفي الموضوع برفضه ، وإلزام الطاعن بصفته المصاريف

المستشار

أحمد بشير موسى 

رئيس الدائرة

 المستشار                      المستشار

 بشير سعد الزياني             مصطفى امحمد المحلس

المستشار                           المستشار

فتحي عبد السلام سعد           عبد الحميد علي الزيادي 

مسجل الدائرة
 أأنس صالح عبد القادر

 
.