الثورات من وجهة نظر فلسفية وقانونية وإسلامية

الثورات والخروج على الحاكم من وجهة نظر

فلسفية وقانونية وإسلامية

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه واهتدى بهديه واقتدى بسنته إلى يوم الذين وبعد

أعدت هذه الورقة في الأساس لتقدم إلى الندوة العلمية المنعقدة بمدينة الزاوية الباسلة  بإشراف جامعة الزاوية قسم الدراسات الإسلامية بكلية الآداب تحت عنوان الإسلام والحياة السياسية يومي 21 ، 22 / 5 / 2012 ميلادية إلا أن ظروفا قاهرة حالت دون مشاركتي بتلك الندوة ولهذا رأيت نشرها بالموقع على أن اسهم من خلالها ولو مساهمة متواضعة وهي لا شك كذلك في تسليط الضوء على بعض المفاهيم والجوانب السياسية من وجهة نظر قانونية وإسلامية ولا أدعي أنني  في هذه الورقة قد جئت بالجديد الذي يجب أن ينشر ، ولا بالجليل الذي يجب أن يشكر ، وإنما هي مجرد محاولة واستثارة لبعض المفكرين والفقهاء ، عسى أن يكون ذلك عاملا في تحريك أقلام أصحاب العقول النيرة لتناول هذا الموضوع بشيء من التوسع والتعمق ، وقد اخترت أن يكون عنوان وموضوع هذه الورقة الثورات والخروج على الحاكم من وجهة نظر فلسفية وقانونية وإسلامية

أولا الثورة

ـــــــــــــــــــــ

ماهيتها ــ شرعيتها ومشروعية أعمالها ــ

دار في الآونة الأخيرة لغط كبير بين أفراد المجتمع ومؤسساته على مختلف توجهاتهم بشأن التصرفات التي تصدر عن الثوار من قبض ومداهمات ، وقد أسهمت بعض المؤسسات الدولية التي تعنى بحقوق الإنسان وحماية الحريات في توجيه الأنظار لتلك التصرفات من خلال ما صدر عنها من تقارير وملاحظات بهذا الشأن ، وهو ما جعل من المناسب أن نعرف الثورة ونبين حدود شرعيتها ومشروعية الأعمال التي تتخذها وأن نقيم تلك الأعمال في ظل الوضع القائم ، وأن نوضح الفرق بين الشرعية الثورية والمشروعية القانونية حتى يكون في مقدور الجميع تفهم ما يقع أثناء الثورات من تصرفات وأعمال .

تعريف الثورة لغة واصطلاحا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الثورة في اللغة تعطي معنى الهيجان والوثوب والظهور والانتشار والقلب أي جعل أسفل الشيء عاليه ومنها قوله تعالى في سورة الروم {  (كانوا اشد منهم قوه وأثاروا الأرض وعمروها....} (الروم:9 أي قلبوها بالحرث والزراعة وقوله تعالى في سورة البقرة {  قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث } بمعنى أنها لا تقلب الأرض لأنها غير مذللة بالحرث ولا بالنضح وهناك من يرى من المفسرين أن قوله تعالى (( تثير )) هو فعل مستأنف ويكون المعنى  أنها تقلب الأرض ، وإن كان معظم المفسرين قد رجح التفسير الأول لأنها لو كانت تثير الأرض لما نفي عنها أنها مذللة .......

وهذا اللفظ العربي لا يقابله في الأساس المصطلح اللاتيني   Revolution  لأن هذا المصطلح هو في الأصل مصطلح فلكي استخدمه العالم الفلكي البولندى كوبر تيكوس  للتعبير على الحركة الدائرة المنتظمة للنجوم حول الشمس والتي لا تخضع لسيطرة الإنسان، وبالتالي تضمن المصطلح معنى الحتمية  ــ انظر (  جابر السكران، الثورة: تعريفها/ مفهومها/ نظرياتها جريدة الجريدة

فالكلمتان العربية واللاتينية كل واحدة منهما تصف الثورة من وجه غير الوجه الذي  عنيت به الأخرى ، فاللفظ العربي يصف أسلوب الثورات من حيث طريق استحداثها والحركة التي تكون ملازمة لها حيث تحصل  بهيجان وظهور وقلب ، بينما يعتبر المصطلح اللاتيني الثورة مسألة حتمية الحدوث ويصفها من هذا الوجه وبالتالي فإن العلاقة بين الوصفين هي علاقة تكامل وليست تضاد

أما اصطلاحا : فإن الثورة قد عرفت بأنها قيام الشعب بقيادة نخب وطلائع من مثقفيه لتغيير نظام الحكم بالقوة. وقد طور الماركسيون هذا المفهوم بتعريفهم للنخب والطلائع المثقفة بطبقة قيادات العمال التي اسموها ( البروليتاريا.)

 اما التعريف أو الفهم المعاصر والاكثر حداثةً هو التغيير الذي يحدثه الشعب من خلال أدواته "كالقوات المسلحة" أو من خلال شخصيات تاريخية لتحقيق طموحاته لتغيير نظام الحكم العاجز عن تلبية هذه الطموحات ولتنفيذ برنامج من المنجزات الثورية غير الاعتيادية.والمفهوم الدارج أو الشعبي للثورة فهو الانتفاض ضد الحكم الظالم  

كما عرفت بأنها : التغيير المفاجئ السريع بعيد الأثرفي الكيان الاجتماعي لتحطيم استمرار الأحوال القائمة في المجتمع ، وذلك بإعادة تنظيم وبناء النظام الاجتماعي بناءً جذرياً.

وقد ورد بالميثاق المصري عن الثورة ما نصه { إن الثورة عمل تقدمي شعبي أي حركة الشعب بأسره يستجمع قواه ليقوم باقتحام جميع العوائق والموانع التي تعترض طريقه لتجاوز التخلف الاقتصادي والاجتماعي وصولاً لتحقيق غايات كبرى تريدها الأجيال القادمة }

وللثورة في الواقع مفاهيم عدة منها ما هو سياسي ومنها ما هو اجتماعي ومنها ما هو علمي تطبيقي كالثورة العلمية أو الثورة في مجال الاتصالات وما يعنينا في هذا المقام هما المفهومان السياسي والاجتماعي ومن خلال هذه المفاهيم جاء التباين في التعريفات بحسب تأثير تلك المفاهيم على دهن المعرف فالثورة قد تستهدف تغيرا في نظام الحكم وقد تستهدف مع ذلك تغيرا في النظام الاجتماعي و الاقتصادي

 وبالتالي فإن التعريف الذي يمكن أن يستوعب كل هذه المفاهيم هو التغير الذي يحدثه الشعب بقيادة طلائعه خارج إطار النظام القانوني عندما يتعذر التغير في حدود هذا الإطار 

 

 

مشروعية الثورة  ،وجواز الخروج عن الحكام

 

مشروعية الثورات من الوجهة القانونية والفلسفية : مند القدم والجدل محتدم بين المفكرين والفلاسفة وعلماء الاجتماع ، حول مدى مشروعية الثورات بين مجيز لها بل وحاث على قيامها  ، وبين رافض لها على اعتبار أنها تمثل نموذجا وأسلوبا فوضويا للتغير يحمل بين طياته مخاطر عدة ، وهو أقرب ما يكون إلى المغامرة بينما يرى الفريق المؤيد أن الثورة عمل إيجابي جدري لتغير السياسية والاقتصادية حيث يرى الفيلسوف الألماني هيجل 1770 _ 1830 م ان الثورة ظاهرة اجتماعية شاذة ومنافية للسير العام للمجتمع الانساني وهي شيء غير طبيعي لا يحدث الا في الحالات الشاذة والنادرة وان حدوثها في المجتمع كمثل ولادة مولود بثلاث ارجل او ستة اصابع في كفه او قدميه. اماالكاتب الانكليزي المشهور والفيلسوف جون لوك 1632-1704 فيعتبر الثورة ظاهرة اجتماعية طبيعية ومنسجمة مع السير العام للمجتمع الانساني ومع تطور التاريخ وهي تحدث عادة اذا توفرت الشروط الخاصة لحدوثها فهي عمل مشروع بحق للشعب بل يجب عليه ان يقوم به للقضاء على الحكومة التي لا تمثله والتي انحرفت عن الطريق السوي في الحكم.

 وقد ذهب كارل ماركس 1818-1883 الى ابعد من ذلك فأعتبر الثورة هي القانون العام لسير الطبيعة والمجتمع وهي الوسيلة الوحيدة لحل مشكلاته ولا سيما الجانب الاقتصادي الذي يستند عليه وينبثق عنه نظام المجتمع في الوجوه الاخرى السياسية والاجتماعية والأخلاقية والفلسفية وغيرها.

بينما يرى المعارضون لفكرة الثورة  كوسيلة للتغيير ،أن الطغيان هو النظام الطبيعي في الثورات ومن أعلام هذا التيار المفكر والكاتب الفرنسي ( مونتسكيو )

 

 وقد وصف الكاتب الروسي ( سوروكين ) * الثورات بأنها شذوذ وانحراف .

بينما يراها  ( فليب جوستاف لوبون ) * بأنها جهد ضائع لأن المجتمع يمكنه أن يصل إلي ما وصل إليه بالثورة بدون التضحيات و الخسائر التي تطلبتها الثورة 

وواقع الحال إن الثورات لا تكتسب مشروعية قيامها إلا إذا توافرت حالة الضرورة للتغير ولم يكن هناك سبيل لإحداث ذلك التغير إلا بهذا الطريق ومن خلال هذا الأسلوب  ، فمتى كان هناك سبيل للإصلاح أو لإحداث التغير ولو تدريجيا عبر الوسائل القانونية فإنه لا يبقى ما يبرر قيام الثورة ومن هنا فهي تفقد مشروعية قيامها في الأساس

ولهذا فإنه لا يتصور ( أو  يبقى من الاحتمالات الضعيفة ) قيام ثورات في البلدان التي تنهج منهجا ديمقراطيا ويتم فيها انتقال السلطة بالتناوب وبطريقة سلسلة وسلمية مع أن ذلك وحده قد لا يمنع البتة من قيام الثورات فيها خاصة عندما تفتقر الديمقراطية إلى مضمونها الحقيقي وتتجرد من مفاهيم العدل وتبقى مجرد إطار شكلي يتوصل من خلاله الأقوياء إلى الحكم  ، حيث حينها تنقلب الديمقراطية إلى نوع آخر من الاستبداد وهو ما اصطلح على تسميته بالاستبداد الديمقراطي وهذه الصورة من الاستبداد هي أوضح ما يكون عندما تتخذ الأكثرية من أكثريتها وسيلة لتهميش الأقلية والتضييق عليها كما هو حال الأقليات الواقعة تحت الاحتلال وربما نجد في فلسطيني 1948 أبرز مثال على ذلك حيث يتم الاستحواذ على أراضيهم ومصادرتها بذرائع شتى ويتم حرمانهم من أبسط الحقوق بما في ذلك منح تراخيص البناء ........

فالديمقراطية بأنماطها وأشكالها القائمة اليوم وما تعنيه من إصدار القوانين والتشريعات وفقا لرأي الأغلبية قد تحقق المشروعية لكنها قد لا تحقق العدل ولهذا نلحظ الكثير من الاضطرابات والمظاهرات وربما كان الربيع العربي  وراء بعض المظاهرات التي خرجت في ظل ديمقراطيات عتيدة لما شعرت به تلك الشعوب من ضرورة التغير بطريق الثورة بعد أن أدركت أن أنماط الديمقراطية القائمة لم تحقق التحول الاجتماعي والاقتصادي المطلوب

وخلاصة القول أن الثورات تستمد مشروعيتها عندما لا يكون الإطار القانوني القائم يسمح بإحداث التغيرات ( الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ) المطلوبة ، وفيما عدا ذلك فإنه لا يجوز اللجوء إلى أسلوب الثورات لما ينطوي عليه هذا الأسلوب من مخاطر فحيث ما كان باب الإصلاح والتغير بالطرق القانونية ممكنا فإنه لا يبقى ما يبرر قيام الثورة بما يفقدها مشروعيتها

ومن هنا فإن الأساس القانوني الذي يضفي مشروعية على الثورة إذا ما أردنا تأصيله فقهيا يمكننا أن نعود بالأمر إلى نظرية الضرورة الملجئة   حيث لا يكون أمام الشعب من سبيل لرفع العنت ورد الخطر ودفع الضرر سوى الثورة على نظام الحكم الفاسد عند ما يتمادى ذلك النظام في العبث بأرواح الناس وحرياتهم وأعراضهم وأموالهم ومقدراتهم فإنه يفقد المشروعية ويفقد الحق في البقاء بما يجعل في استدامته والإبقاء عليه خطرا وضررا محدقا يتعين دفعه بالوسائل الممكنة والمتاحة وبالقدر الكافي لذلك

وقد عرف الفقهاء الضرورة الملجئة بأنها وجود الفاعل في ظروف يقتضيه الخروج منها أن يرتكب الفعل المحرم ( أو المجرم في الأوضاع والحالات الاعتيادية )

واشترطوا للقول بتوافر حالة الضرورة أن تكون الضرورة ملجئة بحيث يجد الفاعل نفسه أو غيره في حالات يخشى منها تلف النفس أو الأعضاء وأن تكون الضرورة قائمة لا منتظرة وألا يكون لدفعها وسيلة إلا ارتكاب الجريمة وأن تدفع بالقدر اللازم لدفعها 

هذه وجهة نظر واجتهاد في مسألة لم تكن محل عناية واجتهاد من دارسي القانون فيما علمت  

 

قد يكون تأصيل المسألة من الناحية الفقهية موفقا وقد لا يكون ، ولكننا في كل الأحوال مجبرين

على إسقاط حكم القانون على الثورات بعد حدوثها فإما أن نقول بأن الثورة عمل مشروع ، لنؤسس على ذلك أن جميع ما أرتكب أثنائها من أفعال ، وكان ضروريا لنجاحها والحفاظ عليها هو الآخر مشروعا  ، وأما أن نقول بأن الثورات في الأساس عمل غير مشروع ويكون من نتيجة ذلك أن ما يترتب عنها سيكون هو الآخر نتيجة غير مشروعة  وما يرتكب خلالها من أفعال يبقى فعلا مجرما يسأل فاعله عنه 

جواز الخروج على الحاكم

إن ما تثيره الثورات أو ما يعرف بالخروج على الحاكم  من جدل في مجال الفقه الإسلامي  وبين علماء المسلمين هو أكثر بكثير منه في مجال القانون الوضعي ، ومرد ذلك أهمية هذا الأمر وحساسيته وأثره البالغ على الأمة وهو ما كان وراء تحفظ الفقهاء في الإفتاء بجواز الخروج على الحاكم أو التساهل فيه لما قد ينجم عن ذلك من هرج ومرج وحرب وفتنة وتقاتل بين المسلمين ، وقد تناولت معظم كتب الفقه هذا الموضوع تحت باب البغي وهو ما يستوجب تعريف هذا اللفظ لغة واصطلاحا لتحديد وتقريب المعنى المراد على وجه الدقة

فالبغي لغة يأتي بمعنى العدوان كما يأتي بمعنى الطلب فيقال بغى فلان على فلان أي اعتدى عليه أو يقال هذا ما كنت أبغي أي أريد أو أطلب وقد عرفه الشيخ أحمد بن يوسف بن عبد الدائم الحلبي المعروف بالسمين  * في كتابه عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ بأنه { طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى } موردا لبيان هذا المعنى قوله تعالى ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) 85 آل عمران قائلا : بأنها افتعال من البغي بمعنى الطلب ..

وأما اصطلاحا فقد عرفه ابن عرفة * بأنه { الامتناع من طاعة من ثبتت إمامته في غير معصية بمغالبة ولو تأولا } 

والبغي بهذا المعني يمكن حصر أقوال الفقهاء المعتبرة بشأنه  في رأيين

الرأي الأول وهو رأي الجمهور ورأي جل أصحاب المدرسية المعروفة اليوم بالمدرسة السلفية  حيث يرى أصحاب هذه المدرسة أنه لا يجوز الخروج على الحاكم إلا إذا ظهر منه كفر بواح وبشرط أن تكون هناك قدرة تضمن التغلب عليه وحجتهم في ذلك قوله تعالي { يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } صدق الله العظيم ــ فأئمة هذه المدرسة اعتبروا هذه الآية نصا صريحا في وجوب طاعة ولي الأمر ومن ثم عدم جواز الخروج عليه ، كما استدلوا ببعض الأحاديث النبوية منها حديث عبادة ابن الصامت الذي أخرجه مسلم والنسائي والذي جاء فيه { بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم  } ــ أخرجه الألباني * في الصحيحة تحت رقم 3418  

واستدلوا أيضا بالحديث الذي رواه عوف بن مالك الأشجعي مرفوعا خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف ؟ فقال لا ما أقاموا فيكم الصلاة ، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ، ولا تنزعوا يدا من طاعة } الصحيحة للألباني تحت رقم 907  ـــ 

كما استدلوا بما رواه بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من كره من أميره شيئا

فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية } حديث صحيح أخرجه البخاري في

كتاب الفتن ــ 

وحتى لا أبخس هذه الفرقة حقها في بيان وجهة نظرها والمنهج الذي سلكته في توجيه الأدلة واستنباط الحكم الشرعي فإنني أورد بعض أقوال علمائها وأولهم قول للشيخ المرحوم عبد العزيز بن عبد الله بن باز  * والذي  جاء ردا منه على سؤال نصه ((  سماحة الشيخ هناك من يرى أناقتراف بعض الحكام للمعاصي و الكبائر موجب للخروج عليهم و محاولة التغيير و إن ترتبعليه ضرر للمسلمين في البلد ، و الأحداث التي يعاني منها عالمنا الإسلامي كثيرة فمارأي سماحتكم ؟

فأجاب الشيخ قائلا : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و صلى الله على رسول الله و على آله و أصحابه و مناهتدى بهداه . أما بعد :فقد قال الله عز و جل :يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله و الرسول إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر ذلك خير و أحسن تأويلاً " سورة النساء ، الآية : 59 /

فهذه الآية نص في وجوب طاعة أولي الأمر و هم الأمراء و العلماء ، و قد جاءت السنّة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه و سلم تبين أن هذه الطاعة لازمة و هي فريضة في المعروف .

والنصوص من السنّة تبين المعنى ، و تفيد الآية بأن المراد طاعتهم بالمعروف ، فيجب على المسلمين طاعة ولاة الأمور في المعروف لا في المعاصي ، فإذا أمروا بالمعصية فلا يُطاعون في المعصية لكن لا يجوز الخروج عليهم بأسبابها لقوله صلى الله عليه و سلم :

 ألا مَنْ وَلِيَ عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله و لا ينزعنَّ يداً من طاعة "

/ أخرجه مسلم ( 1855 ) ، و أحمد : ( 6/24 ، 28 ) ، و غيرهم من حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه . و أوله : " خيار أئمتكم الذين تحبونهم ..... " . /

 و من خرج من الطاعة و فارق الجماعة فمات ، مات ميتة جاهلية " أخرجه مسلم : ( 1848 ) ، و أحمد : ( 2/296 ) ، و غيرهم من حديث أبي هريرة رضي اللهعنه . /

وقال صلى الله عليه و سلم : على المرء السمع و الطاعة فيما أحب و كره ، إلا أن يُؤمَر بمعصية ، فإن أُمِرَبمعصية فلا سمع و لا طاعة " . أخرجه مسلم : ( 1839 ) ، و النسائي : ( 7/160 ) ، و غيره من حديث ابن عمر رضي الله عنه . /

وسأله الصحابي – لما ذكر أنه يكون أمراء تعرفون منهم و تنكرون – قالوا : فما تأمرنا ؟ "

قال : " أدُّوا إليهم حقَّهم و سلوا الله حقّكم " متفق عليه من حديث ابن مسعود رضي الله عنه /

قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه :

" بايعنا رسول الله صلى الله عليه و سلم على السمع و الطاعة في منشطنا و مكرهنا وعسرنا و يسرنا و أثرة علينا و أن لا ننازع الأمر أهله " ، و قال : إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان "

بواحاً : أي ظاهراً مكشوفاً .

أخرجه مسلم : ( 1709 ) ، و النسائي : ( 2/180 ) ، و ابن أبي عاصم و غيره . / فهذا يدل على أنهم لا يجوز لهم منازعة ولاة الأمور و لا الخروج عليهم إلا أن يروا كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان ، و ما ذاك إلا لأن الخروج على ولاة الأمور يُسَبِّبُ فساداً كبيراً و شراً عظيماً فيختل به الأمن ، و تضيع الحقوق و لا يتيسر ردع الظالم و لا نصر المظلوم ، و تختل السبل ولا تأمن ، فيترتب على الخروج على ولاة الأمور فساد عظيم و شر كثير ، إلا إذا رأى المسلمون كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان ، فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته إذا كان عندهم قُدرة ، أما إذا لم يكن عندهم قُدرة فلا يخرجوا ، أوكان الخروج يسبب شراً أكثر فليس لهم الخروج رعاية للمصالح العامة ، و القاعدة الشرعية المجمع عليها ( أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه ) و أما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين ، فإذا كانت هذه الطائفة التي تريد إزالة هذا السلطان الذي فعل كفراً بواحاً عندها قدرة تزيله بها و تضع إماماً صالحاً طيّباً من دون أن يترتب على هذا فساد كبير على المسلمين وشر أعظم من شر هذا السلطان فلا بأس ، أما إذا كان الخروج يترتب عليه فساد كبير واختلال الأمن و ظلم الناس ، و اغتيال من لا يستحق الاغتيال إلى غير هذا من الفساد العظيم ، فهذا لا يجوز بل يجب الصبر و السمع و الطاعة في المعروف و مناصحة ولاة الأمور و الدعوة لهم بالخير ، و الاجتهاد في تخفيف الشر و تقليله و تكثير الخير ،هذا هو الطريق السويّ الذي يجب أن يسلك ، لأن في ذلك مصالح للمسلمين عامة ، و لأن في ذلك حفظ الأمن وسلامة المسلمين من شر أكثر ، نسأل الله التوفيق و الهداية.

فلم يكتفي السائل بهذه الإجابة فوجه للشيخ سؤلا آخر نصه : سماحة الوالد : نعلم أن هذاالكلام أصل من أصول السنّة و الجماعة و لكن هناك " للأسف " من أبناء أهل السنّة والجماعة من يرى هذا فكراً انهزامياً و فيه شيء من التخاذل و قد قيل هذا الكلام ... لذلك يَدْعُون الشباب إلى تبنّي العنف في التغيير؟

فأجابه الشيخ {هذا غلط من قائِلِهِ و قلّة فهم ؛ لأنهم ما فهموا السنّة و لا عرفوها كما ينبغي ، و إنما تحملهم الحماسة والغيرة لإزالة المنكر على أن يقعوا في ما يخالف الشرع كما وقعت الخوارج و المعتزلة، حملهم حب نصر الحق أو الغيرة للحق ، حملهم ذلك على أن وقعوا في الباطل حتى كفَّروا المسلمين بالمعاصي ، أو خلَّدوهم في النار بالمعاصي كما تفعل المعتزلة . فالخوارج كفَّروا بالمعاصي و خلَّدوا العصاة في النار ، و المعتزلة وافقوهم في العاقبة و أنهم في النار مخلدون فيها و لكن قالوا : إنهم في الدنيا في منزلة بين المنزلتين ، و كله ضلال ، و الذي عليه أهل السنّة هو الحق أن العاصي لا يكفربمعصيته ما لم يستحلّها . فإذا زنا لا يكفر ، و إذا سرق لا يكفر ، و إذا شرب الخمر لا يكفر ، و لكن يكون عاصياً ضعيف الإيمان فاسقاً تُقام عليه الحدود و لا يكفر بذلك إلا إذا استحلّ المعصية و قال إنها حلال ، و ما قاله الخوارج في هذا باطل، و تكفيرهم للناس باطل ، و لهذا قال فيهم النبي صلى الله عليه و سلم : إنهم يمرقون من الإسلام ثم لا يعودون فيه "بعض حديث أخرجه البخاري و مسلم و غيرهما من حديث أبي ذر رضي الله عنه مع اختلاف في لفظه / فهم يقاتلون أهل الإسلام و يَدَعُون أهل الأوثان ! هذه حال الخوارج بسبب غلوّهم و جهلهم و ضلالهم ، فلا يليق بالشباب و لاغير الشباب أن يقلّدوا الخوارج و المعتزلة ، بل يجب أن يسيروا على مذهب أهل السنّة و الجماعة على مقتضى الأدلّة الشرعية فيقفون مع النصوص كما جاءت ، و ليس لهم الخروج على السلطان من أجل معصية أو معاص وقعت منه ، بل عليهم المناصحة بالمكاتبة والمشافهة ، بالطرق الطيبة الحكيمة ، بالجدال بالتي هي أحسن حتى ينجحوا و حتى يقلّ الشر أو يزول و يكثر الخير . هكذا جاءت النصوص عن رسول الله صلى الله عليه و سلم ،و الله عز و جل يقول : فبما رحمة من الله لنت لهم و لو كنت فظّاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك " سورة آل عمران ، الآية : 159 / فالواجب على الغيور لله وعلى دعاة الهدى أن يلتزموا بحدود الشرع و أن يُناصِحوا من ولاهم الله الأمور بالكلام الطيب و الحكمة و الأسلوب الحسن حتى يكثر الخير و يقلّ الشر ، و حتى يكثر الدعاة إلى الله و حتى ينشطوا في دعوتهم بالتي هي أحسن لا بالعنف و الشدّة ، ويناصحوا من ولاهم الله بشتى الطرق الطيبة السليمة مع الدعاء لهم في ظهر الغيب أن الله يهديهم و يوفقهم و يعينهم على الخير و أن الله يعينهم على ترك المعاصي التي يفعلوها و على إقامة الحق بالأسلوب الحسن بالتي هي أحسن ، و هكذا مع إخوانه الغيورين ينصحهم و يعظهم و يذكّرهم حتى ينشطوا في الدعوة بالتي هي أحسن لا بالعنف والشدة و بهذا يهدي الله ولاة الأمور للخير و الاستقامة عليه و تكون العاقبة حميدة للجميع

كما نورد في هذا السياق قول العلامة ابن أبي العز الحنفي * قي كتابه شرح العقيدة الطحاوية حيث قال { ...فقد دل الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر ما لم يأمروا بمعصية ، فتأمل قوله تعالى (( يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ...)) ] النساء 59 [ كيف قال (( وأطيعوا الرسول )) ولم يقل وأطيعوا أولي الأمر منكم ؟ لأن أولي الأمر لا يفردون بالطاعة بل يطاعون فيما هو طاعة لله والرسول وأعاد الفعل مع الرسول لأنه من يطع الرسول فقد أطاع الله ، فإن الرسول لا يأمر بغير طاعة الله بل هو معصوم في ذلك ، وأما ولي الأمر ، فقد يأمر بغير طاعة الله ، فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله

وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا فلأنه يترتب عن الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم ، بل في الصبر على جورهم تكفير للسيئات ومضاعفة الأجر ...

ويمكن القول بأن كبار علماء السلفية يرون عدم جواز الخروج على الحاكم ويضيقون فيه إلى أبعد حد حتى وإن ظلم حتى وإن جار بل من بينهم من جعل الخروج حتى في حال إتيانه بالكفر البواح مشروط بشرط التيقن من القدرة على التغلب عليه وهو مقتضى قول الشيخ محمد صالح ابن عثيمين * المنقول عنه في شريط على موقع اليوتيوب مسجل بتاريخ 7/ 2 / 2011

وظاهر كلام أهل هذه الفرقة  أن الأمام لا يطاع في معصية وأن أمْره بالمعصية أو ارتكابه لها أو جوره أو ظلمه أو فسقه لا يسوغ عزله أو الخروج عليه أو نزع اليد من طاعته ، وهو ما أورده   صراحة سماحة الشيخ الدكتور الصادق عبد الرحمن الغرياني * في كتابه مدونة الفقه المالكي حيث جاء فيه ( لا يعزل الإمام بسبب الظلم ، والفسق ، وتعطيل الحقوق ، وإنما يجب وعظه ، ونصحه وتذكيره ، ولا يجوز الخروج عليه لذلك ، تقديما لأخف المفسدتين

والشيخ في هذا السياق (( فيما أضن )) ناقل لرأي غيره وليس معبرا عن رأيه  لأن الكتاب في مجمله معني بعرض الفقه المالكي وأدلته ، ولما صدر عن الشيخ من فتاوى وأقوال وأفعال حث من خلالها الليبيون على الخروج على نظام القدافي

  • ·   ولا يفوتنا أن ننبه إلى أن بعض علماء السلفية يجيزون مخالفة ولي الأمر ولا يرون وجوب طاعته أو امتثال أوامره إذا انفرد بالحكم ولم يكن له مجلس شورى يرجع إليه فيما يصدره من أوامر وقرارات وتعليمات يكون مكونا من أهل الاختصاص في جميع مناحي العلوم والمعارف وعلى رأس هؤلاء الشيخ محمد ناصر الدين الألباني * حيث جاء على لسانه ما مؤداه { لا يجوز مخالفة ولي الأمر هذا كلام صحيح ولكن بشرط أن يراعي نظام الشورى بكل تفاصيله بحيث يكون هناك مجلس شورى فيه من مختلف التخصصات ....وإلا فإنه من غير الواجب طاعته }

كما أن بعض الدعاة من علماء السلفية من فرق بين حالة وأخرى بحسب ظروف كل بلد ومعطياته ومن بين هؤلاء الداعية الشيخ عدنان العرعور * حيث أفتى بمشروعية الثورة في ليبيا ولم يفتي بمشروعيتها في اليمن بحجة أن ليبيا بلد متماسك اجتماعيا فلا وجود فيه للإثنية المذهبية أو الدينية أو العرقية وبالتالي لا يخشى عليه التفكك أو التطاحن الطائفي بينما يخشى على اليمن الدخول في حرب أهلية لتكوينة القبلي والطائفي

أما ألرأي المخالف فقد نقل عن بعض الفقهاء أن الإمام مالك والإمام أبو حنيفة والإمام الشافعي أنهم  كانوا يرون جواز الخروج المسلح على أئمة الجور فقد جاء في كتاب أحكام القرآن لأبي بكر الجصاص * عن أبي حنيفة * ( وكان مذهبه رحمه الله مشهورا في قتال الظلمة وأئمة الجور )

كما نقل أبن العربي * في تفسيره أحكام القرآن أن ابن القاسم * روى عن الإمام مالك * قوله إذا خرج على الإمام العدل خارج وجب الدفع عنه مثل عمر ابن عبد العزيز ، فأما غيره فدعه ، ينتقم الله من ظالم بمثله ثم ينتقم من كليهما ؟! 

 وفي كتاب شرح العقائد النسفية ينسب التفتازاني * إلى الامام الشافعي * القول بجواز الخروج المسلح على أئمة الجور واختلفت الروايات عن الإمام أحمد ابن حنبل * بين الجواز وعدمه لكن المشهور عنه هو عدم جواز الخروج على الأئمة الفسقة

وقد ذهب العديد من العلماء ودور الإفتاء إلى القول بجواز الخروج على أئمة الجور وكان آخر من أفتى بذلك لجنة من علماء الأزهر حيث أصدروا وثيقة أجازوا فيها الخروج على الحاكم الفاسد حيث جاء فيها ما ملخصه أن التحجج بقوله تعالى { وأطيعوا الله  وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم  } يجب أن يفهم من السياق الشرطي للآية إذ أنها مسبوقة بقوله تعالي { إن الله يأمركم أن تؤذوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل } ممّا يجعل الإخلال بشروط أمانة الحكْم وعَدَم إقامة العدل فيه مُسَوِّغًا شرعيًّالمطالبة الشعوب حكامهم بإقامة العدل ، وقد أباح شيخ الأزهر الخروج على الحاكم المستبد وعزله، حتى مع وجود آراء فقهية تطالب بالصبرعليه، مضيفًا: " بأن من قال بوجوب الصبر على المتغلب المستبد من الحكام حرصًا على سلامة الأمة من الفوضى والهرْج والمرْج – فقد أجاز في الوقت نفسه عزل المستبد الظالم إذا تحققت القدرة على ذلك وانتفى احتمال الضرر والإضرار بسلامة الأمة ومجتمعاتها".

وفي ظل هذه الاجتهادات المتباينة ، كان من الواجب ترجح أحدهما على الآخر حتى لا نترك القارئ في حيرة من أمره ، فالواضح أن مسألة الخروج على حكام الجور كان اجتهاد الفقهاء فيها يختلف من زمن إلى آخر ، بحسب ظروف الأمة وما هي عليه من حال ، وما يحيط بها من جميع الوجوه ، ونلمس ذلك واضحا من خلال خطب الخليفتين الراشدين ( أبو بكر الصديق  وعمر بن الخطاب رضى الله عنهما وأرضاهما عندما تولى الخلافة حيث خطب أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه قائلا { ... أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم وليست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني ، الصدق أمانة ، والكذب خيانة ، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله ، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله ، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله الذل ، ولا تشيع فاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء ، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله .....}

ففي هذه الخطبة يصرح أبوبكر الصديق  خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن طاعة الأمة له تتوقف على مدى طاعته لله ورسوله وأنه لا طاعة له عليهم إذا ما عصى الله ورسوله وهو من عايش الوحي وأدرك كنه الرسالة ولازم رسول الله صلى الله عليه وسلم من يوم مبعثه إلى أن يوم انتقاله إلى الرفيق الأعلى

كما ورد في خطبة الخليفة الراشد الفاروق عمر ابن الخطاب رضي الله عنه عند توليه الخلافة قوله { ... ( من رأى في اعوجاجا فليقومه ) فقال أحد المسلمين : والله لو رأينا فيك  اعوجاجا لقومناك بسيوفنا . فرد عليه عمر رضوان الله عليه قائلا ( الحمد لله الذي جعل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يقوم عمر بحد سيفه ) ..}

وهذا المقالة من عمر رضوان الله عليه  ظاهرة في دلالتها على جواز الخروج بالسيف على الحاكم في حال جوره وانحرافه عن الطريق السوي .

 ومع أن هذا القول من الخليفتين الراشدين قد لا يعتبره البعض كافيا للاستدلال به في جواز الخروج على الحاكم الجائر إذ لا دليل إلا فيما قال الله وقال الرسول ، إلا أنه وبالعودة إلى بعض الآثار والأحاديث النبوية الشريفة نجد من بينها ما يشير في وضوح تام أنه لا طاعة إلا في معروف ومن بين ذلك ما أورده ابن كثير  * عند تفسيره لقوله تعالى ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) حيث جاء فيه ما نصه { قال البخاري :  حدثنا صدقة بن الفضل حدثنا حجاج بن محمد الأعور عن ابن جريج عن يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " قال : نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وهكذا أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من حديث حجاج بن محمد الأعور به وقال الترمذي حديث حسن غريب ولا نعرفه إلا من حديث ابن جريج وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية واستعمل عليهم رجلا من الأنصار فلما خرجوا وجد عليهم في شيء قال : فقال لهم : أليس قد أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني ؟ قالوا بلى . قال : فاجمعوا لي حطبا . ثم دعا بنار فأضرمها فيها ثم قال : عزمت عليكم لتدخلنها قال : فقال لهم شاب منهم إنما فررتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها قال فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال لهم " لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا إنما الطاعة في المعروف " أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش  .

كما استدل بما رواه أبو داود في سننه  حيث قال : حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن عبيد الله حدثنا نافع عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة "

وحديث عبد الله ابن عمر هذا قد رواه الشيخان البخاري ومسلم أيضا حيث رواه البخاري في كتاب الأحكام باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية

وقد يقول قائل أن مقتضى النصين السابقين هو عدم إطاعة الإمام في المعصية ولكنها لا تبيح الخروج عليه وهنا تبرز أهمية ما ورد في خطابي أبو بكر الصديق وعمر ابن الخطاب رضي الله عنه حيث يمثل ذلك الفهم الصحيح لما ورد من آثار وأحاديث نبوية يتعذر الجمع بينها أو يبدوا من ظاهرها التناقض ، هذا فضلا على أن حديث عبادة ابن الصامت المستظهر به من قبل الفرقة التي تحرم الخروج على الحاكم الجائر لم ترد في بعض روايته (( حتى تروا كفرا بواحا لكم فيه من الله برهان )) فقد رواه النسائي * في سننه بلفظ { بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في اليسر والعسر والمنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم بالحق حيث كنا لا نخاف لومة لائم } 

وقد نقل البعض عن ابن تيمية قوله في كتابه منهاج السنة أن السلف كانوا يرون الخروج على الحاكم الجائر إلا أن الإجماع انعقد فيما بعد على عدم جواز الخروج ، ومع أنني لم أقف على هذا القول المنسوب لابن تيمية إلا أن هذا القول فيما لو صح  يرجح ما خلصنا إليه سلفا من أن خطابي الخليفتين الراشدين (( أبو بكر وعمر )) كان ترجيحا لبعض الآثار التي تشير إلى جواز الخروج على الحاكم الجائر عن تلك التي تشير إلى عدم جواز الخروج وإن جار وبغى وهو ما يعني أن الخروج على ولي الأمر الجائر أمر جائز شرعا متى تعذر الإصلاح بغير هذا الطريق وأصبح الظرف مواتيا للخروج بما يضمن تحقيق الغاية دون خسائر كبيرة وبما يضمن عدم استمرار الفوضى وانقسام البلاد .

شرعية الأعمال التي تقع أثناء الثورة

يثار الكثير من الجدل حول التصرفات والأفعال التي يرتكبها الثوار أثناء الثورة وبعدها ، بين قائل بأن للثوار الحق في التصرف بما يروه مناسبا ، وأن جميع تصرفاتهم تعتبر تصرفات مشروعة تبررها الشرعية الثورية ، وبين قائل بأنه ليس من حق الثوار أن يتصرفوا إلا بقدر ما يحقق الهدف الرئيس من الثورة ، وأن المشروعية الثورية لا تبرر من الأفعال والتصرفات إلا ما كان ضروريا لإنجاح الثورة ، ومرد الاختلاف في وجهتي النظر يعود إلى أن إحداث التغير عن طريق الثورة يمثل استثناء وحالة نادرة وبالتالي يصعب تفهم مشروعية الثورة بالمنطق  القانوني .

  فالثورة هي إحداث تغير في النظام السياسي ، أو الاجتماعي ، أو الاقتصادي بطرق غير الطرق القانونية لتعذر إحداث ذلك التغير بهذه الطرق ، ولأنها كذلك فمن الصعوبة بمكان توصيف التصرفات التي تتم أثناءها وبعدها إلا من خلال الاستعانة بمعيار موضوعي مؤداها أنه كلما كان العمل ضروريا لإنجاح الثورة أو التعجيل في بلوغ هدفها الأسمى وهو إزالة المعوقات التي تحول دون إحداث التغير بالطرق القانونية فإن ذلك العمل يبقى مشروعا متى لم يكن هناك سبيل لبلوغ هذا الهدف إلا بإتيانه .

 هذا فيما يخص التصرفات التي تتم خلال المرحلة العنيفة من الثورة ، أما ما يتم بعد ذلك من أعمال يقصد بها ترسيخ الوضع الجديد فإن تلك الأعمال يجب أن تكون في حدود ما يضمن عدم حصول انتكاسة للثورة أو العودة إلى العنف ، وأن يكون ذلك الفعل أو التصرف بالقدر اللازم دون إفراط أو تفريط ، فمتى استدعت الضرورة التحفظ على بعض الأشخاص أو القبض عليهم فإن ذلك يجب أن يتم في أضيق نطاق وفي حدود ما يضمن سلامة الأشخاص المعتقلين ويحفظ لهم كرامتهم وآدميتهم وكافة حقوقهم

وإذا كان هناك من فارق فيما يتعلق بالمسئولية عن الأعمال  بين مرحلتي الثورة وهي مرحلة الأعمال الثورية العنيفة ومرحلة ترسيخ الثورة وضمان استقرارها وثباتها هو أن المسئولية عن الأعمال التي ترتكب أثناء المرحلة الأولى للثورة يصعب تحديد المسئولية  عنها بحكم ما تتميز به هذه المرحلة من عنف وتدافع كما يصعب مؤاخذة مرتكبيها على قدر من الصرامة والحسم إذ لا تجوز مؤاخذتهم بمقتضى حالة الهدوء التي نعيشها وقت تقيم الأفعال ، بينما سيكون من السهل تحديد المسئولية عن الأعمال والأفعال التي تتم في المرحلة الثانية للثورة ويكون مرتكبوها مسئولين مسئولية تامة عنها ولا يتسنى لهم التنصل منها أو دفعها بحجة الشرعية الثورية حيث سيكون الواقع في هذه المرحلة أكثر وضوحا وهدوءا وتكون النفوس أكثر سكونا وترويا

ولهذا فقد حرص المجلس الوطني الانتقالي عند إصداره للقانون رقم 38 لسنة 2012 بشأن الإجراءات الخاصة بالمرحلة الانتقالية أن يعالج الآثار المترتبة عن الأعمال الثورية حيث جعل الإعفاء من العقاب قاصرا على الأعمال التي كانت ضرورية لقيام الثورة أو لحمايتها وهو ما نصت عليه المادة الثانية من القانون بقولها { لا عقاب على ما استلزمته ثورة السابع عشر من فبراير من تصرفات عسكرية أو أمنية أو مدنية قام بها الثوار بهدف إنجاح الثورة أو حمايتها }

وإن كان بعض القانونين قد انتقد هذا النص ووصمه بعدم الدستورية معتبرا أنه يوفر حماية لبعض من ارتكبوا جرائم باسم الثورة إلا أن هذا لانتقاد لا يجد أساسه القانوني السليم لأن النص قد وضع معيارا موضوعيا يمكن للقضاء من خلاله أن يقيم التصرفات التي صدرت عن الثوار فكلما كان التصرف ضروريا لإنجاح الثورة أو حمايتها كان مشروعا وكلما كان منطويا على هدف شخصي ولا تأثير له على إنجاح الثورة أو حمايتها فإنه يبقى تصرفا عبثيا يسأل عنه فاعله

وفي الختام فإنني أنهي هذه الورقة بالقول إن الإسلام يأبى الظلم والاستبداد ويحث المؤمن على الدفاع عن حقه وماله والدود عن كرامته وشرفه فمن قتل دون ماله فهو شهيد وإن كان بعض الفقهاء قد تشددوا في مسألة الخروج وقوفا عند ظاهر نصوص معينة فإن مرد ذلك هو الحرص هو عدم التوسع في إباحة الخروج على الحاكم الجائر من باب سد الذرائع وتجنيب الأمة مخاطر الثورات وهي مخاطر لا تخفى على أحد ولا أجد ما أختم به سوى التوجه بالدعاء إلى العلي القدير أن يحمي ليبيا ويصونها ويوفر لها الأمن والأمان إنه على كل شيء قدير

                                                       المحامي

                                                 محمد مفتاح اليسير

                                             ........................