تصرفات السفيه المهمل بين الشريعة والقانون

 

 

تصرفات السفيه المهمل بين الشريعة والقانون

توطئة وتمهيد :

صلاحية الشخص للتمتع بالحقوق وتحمل الواجبات المقررة شرعا أو قانونا يرتبط ارتباطا شبهة متلازم بالشخصية القانونية لا بالإرادة ، ولدى فهي تثبت للإنسان بمجرد ولادته حيا إلى حين وفاته ، وقد يكتسب الإنسان هذه الصلاحية حتى قبل الولادة وفي بعض الصور قبل أن يخلق ومثال ذلك ثبوت حق الجنين في الميراث  قبل ولادته ، والحق في الوصية لمن أوصي له قبل أن يخلق في رحم أمه ــ وهذه الصلاحية يصفها ويسمها فقهاء الشريعة الإسلامية بأهلية الوجوب ويعرفها علماء الأصول بأنها صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه ، وهذه أهلية يتساوى جميع الناس في التمتع بها الصغير والكبير والعاقل والمجنون والرشيد منهم والسفيه وذو الغفلة والفطن

أما صلاحية الإنسان للاستعمال الحق أو إعمال إرادته إعمالا من شأنه ترتيب الأثر القانوني الذي ينشده وهو ما يعرف بأهلية الأداء فإن هذه الصلاحية لا ثبت إلا ببلوغ الإنسان لسن معينة مع تمتعه بكامل قدراته العقلية ( من قوة في الشعور والإدراك والإرادة )

 وقد يحد ت أن يبلغ الإنسان سن الرشد ، دون أن يكون رشيدا بالقدر الذي يجعله قادرا على إدارة شؤونه وأمواله ويؤهله للتصرف بحكمة ودراية ، إما لعيب في قواه العقلية كالجنون والعته والغفلة أو لطيش وهوى يغلبان عليه ويحملانه على التصرف بعبثية وتبذير  في أمواله أو كما يقول الفقهاء بحيث لا يرى المال شيئا وهو ما يوصف بالسفه .

وهنا لا يخلوا الأمر من صورتين ،  الصورة الأولى هو أن يبادر ولي  ( المجنون أو المعتوه أو ذي الغفلة أو السفيه ) أو أحد أقرابه أو القاضي  بالحجر عليه ، ومنعه من التصرفات الضارة ضررا محضا كالهبة والصدقة ..،  وكذلك التصرفات الدائرة بين النفع والضرر كالبيع والمقايضة ... والصورة الثانية هو أن يترك مهملا دون حجر وهذا هو ما يسمى بالسفيه المهمل أي الذي بلغ سن الرشد ولم يكن رشيدا ولم يحجر عليه أيضا ، فتصرفات السفيه المهمل ( كبيعه وشرائه وهبته ومقايضته وقرضه وإقراضه ) وكل ما يرتب أثرا والتزاما  بذمته  تثير الكثير من الإشكالات سواء في الشريعة الإسلامية أو القانون . فبعض فقهاء الشريعة الإسلامية يعتبرون كل تصرفات السفيه المهمل قبل الحجر عليه نافذة غير قابلة للإبطال ، بينما يرى بعض الفقهاء أن جميع تصرفات السفيه المهمل قبل الحجر عليه قابلة للإبطال  ، بينما دهب فريق ثالث مذهبا وسطا بين المذهبين فجعل بعض تصرفات السفيه قبل الحجر قابلة للإبطال وبعضها غير قابل بالنظر إلى مدى علم الطرف الآخر في التصرف بحالة السفه وعدم علمه ومدى استغلالها ، وهذا هو الرأي الذي أخذ به القانون المدني حيث نص في المادة 115 من القانون المدني على أنه { 1 ـ إذا صدر تصرف من ذي الغفلة أو من السفيه بعد قيد قرار الحجر ، سرى على هذا التصرف ما يسري على تصرفات الصبي المميز من أحكام .

2 ـ أما التصرف الصادر قبل قيد الحجر فلا يكون باطلا أو قابلا للإبطال إلا إذا كان نتيجة استغلال أو تواطؤ . }

هذا النص الذي أورده المشرع في القانون المدني يجد أساسه في الشريعة الإسلامية حيث أن بعض الفقهاء اعتبر جميع التصرفات  الصادر عن السفيه في حال السفه قابلة للإبطال لأنه يرى أن العلة في الإبطال هي السفة بدليل قوله تعالى { ولا تأتوا السفهاء أموالكم } حيث رتب النهي على قيام السفه لا الحجر ، ومن بين القائلين بهذا الإمام أبو يوسف من الحنفية والإمام ابن القاسم من المالكية 

بينا يرى البعض الآخر من الفقهاء إن علة إبطال تصرفات السفيه هي الحجر وبالتالي اعتبر جميع تصرفات السفيه قبل الحجر نافذة

إلا أن المشرع في القانون المدني نص على إبطال تصرفات السفيه الذي لم يحجر عليه طالما كانت حالة السفه معلومة للطرف المقابل وتصرف وهو على علم بها مستغلا لها في تحقيق مآربه وهو ما أوضحه بجلاء الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري في كتابة الوسيط في شرح القانون المدني الجزء الأول ص  238 حيث جاء في الهامش { يشترط وفقا للفقرة الثانية من المادة 115 من القانون المدني لإبطال التصرف الصادر من السفيه قبل تسجيل قرار الحجر أن يكون نتيجة استغلال أو تواطؤ والمقصود بالاستغلال أن يعلم الغير بسفه شخص فيستغل هذه الحالة ويستصدر منه تصرفات لا تتعادل فيها التزاماته مع ما يحصل عليه من فائدة ...}

كما قضت محكمة النقض المصرية بأنه {..... يكفي للحكم ببطلان التصرف وفقا لنص المادة 115 من القانون المدني أن يكون صادرا من سفيه أو ذي غفلة ولا يشترط اجتماع الأمرين ( السفه والغفلة ) .... والمقصود بالاستغلال ــ في حكم الفقرة الثانية من المادة 115 من القانون المدني ــ أن يغتنم الغير فرصة سفه شخص أو غفلته فيستصدر منه تصرفات يستغله بها ويثري من أمواله ، فإذا أثبت الحكم المطعون فيه في حدود سلطة المحكمة الموضوعية أن الطاعنين قد استغلا سفه المطلوب الحجر عليه وشدة حاجته إلى المال فاستصدرا منه التصرف المحكوم ببطلانه بمقابل يقل كثيرا عما تساويه الأرض المبيعة  ، وذلك إرضاء لشهوة الاغتناء لديهما فإن الحكم بذلك يكون قد أثبت أن التصرف الصادر إلى الطاعنين كان نتيجة استغلال وبالتالي يكون هذا التصرف باطلا وقد صدر قبل تسجيل طلب الحجر أو تسجيل قرار الحجر }  ــ انظر كتاب الوافية في شرح القانون المدني للمستشار أنور العمروصي الجزء الأول ص 287 ــ صورة من الكتاب بالحافظة .

وفي هذا المعنى جاء قضاء محكمتنا العليا حيث قضت  { ان نص المادة 129 من القانون المدي التي استند اليها الطاعن في دعواه واضح الدلالة على انه يشترط لإبطال العقد أن يكون المتعاقد مع المغبون عالما بالطيش أو الهوى في المتعاقد معه واستغله , وعلى من يدعى بحصول ذلك أن يقيم الدليل عليه واثباته , ولا يكفى لإبطال العقد كون الثمن أقل من القيمة الحقيقية للمبيع ولو كان ثمنا بخسا مادام لم يصل من القلة الى درجة التفاهة التي تجعله كالمعدوم ويصير البيع فاقدا لركن الثمن , أما الثمن البخس فانه يتحقق به ركن من أركان البيع ولا أثر لنقصانه عن القيمة الحقيقية للمبيع الا في حالة بيع عقار القاصر , كما ان المادة 115 من القانون المدني تشترط ايضا لإبطال تصرف ذي الغفلة والمعتوه حصول الاستغلال من الطرف المتعاقد معه وانه دفعه الى التعاقد كما هو الشأن في المادة 129 مدنى . ويجب على المغبون اثبات ذلك الامر الذى أخفق الطاعن في أثباته أمام المحكمة المطعون على حكمها مع أن مسألة وقوع الاستغلال من عدمه مسألة موضوع لا رقابة لمحكمة النقض عليها , وحيث أن الحكم المطعون فيه قد التزم هذا النظر وخلص بأن الدعوى لا تقوم على أساس سواء بطلب أبطال العقد أو بتكملة الثمن ورفضها فانه يكون قد أصاب صحيح القانون  } ــ الطعن المدني رقم 115 لسنة 23 ق بتاريخ 2 / 4 / 1978 مجلة العدد 1 السنة 15 ص 39

وهو ما مؤداه أن استغلال حالة السفه لدى السفيه كافية لإبطال التصرف أي أن القانون المدني الليبي وكذلك القانون المصري قد ركنا إلى اجتهاد تلميذ الإمام مالك ابن القاسم وأبو يوسف تلميذ الإمام أبو حنفية بل أن المالكية عبر العصور قد جرى عمله وقضاءهم على أن تصرفات السفيه المهمل ــ أي الذي لم يحجر عليه ــ قابلة للإبطال متى كان الطرف الآخر في التصرف عالما بحالة السفه حيث جاء في كتاب مدونة الفقه المالكي وأدلته للدكتور الصادق الغرياني ما نصه

تصرفات السفيه المهمل

تصرف السفيه البالغ المهمل ، سواء سبق التحجير عليه أو لم يسبق ، تصرفه ماض إذا جهل حاله حين التصرف ، هل كان على السداد رشيدا ، أم على السفه مبدرا ، وإذا علم أن التصرف حصل منه على السداد ، وهو رشيد كان أيضا ماضيا ، لأن العلة في منعه هو السفه وقد تبين عدمه فليس هناك ما يدعو إلى رد تصرفه ، وإذا كان حين التصرف سفيها كان تصرفه مردودا ( 3 ) ولو لم يحجر عليه لأنه سفيه والدليل على ذلك قوله تهالى { ولا تأتوا السفهاء أموالكم } وفي الصحيح من حديث جابر أن رجلا أعتق عبدا له ليس له مال غيره فرده النبي صلى الله عليه وسلم فابتاعه منه نعيم ابن النحام ....

وقد جاء في الهامش ( 3 ) هذا هو قول ابن القاسم وبه العمل وقال مالك تصرفه ماض على كل حال .....

انظر كتاب مدونة الفقه المالكي وأدلته الجزء الثالث ص 661 ، 662 تأليف الصادق بن عبد الرحمن الغرياني

وفي تحفة الحكام يقول ابن عاصم

وأن يكن سفــــــــــه بعد الرشد           ففعله ليس لـــــــــــــــه من رد

ما لم يبــــــــع من خادع فيمنع           وبالذي أفاته لا يتبــــــــــــــــــع

أي متى كان الطرف الثاني في التصرف مخادع يعرف بسفه الطرف المقابل له وأراد استغلال هذا السفه فيبطل التصرف وهو المشهور عند المالكية وما جرى به العمل عندهم

وجاء في الشرح الكبير ما نصه :  {...( وتصرفه ) أي الذكر السفيه البالغ المهل المحقق السفه ( قبل الحجر ) عليه محمول ( على الإجازة ) فلا يرد ولو تصرف يغير عوض كعتق ( عند مالك ) وكبراء أصحابه كابن كنانة وابن نافع وهو الراجح لأن العلة في رد تصرفه الحجر ولم يوجد ( لا ) عند الإمام عبد الرحمن ( ابن القاسم ) لأن العلة السفه وهو موجود .....

انظر كتاب حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ج 3 ص 268

وقوله وتصرفه قبل الحجر على الإجازة عند مالك ، الضمير عائد إلى السفيه البالغ المهمل ، الذي لا أب له ولا وصي ولا مقدم قاض عليه ، قال الحطاب وما عزاه لمالك ، قال في المقدمات : هو المشهور من قول مالك وكبراء أصحابه إلا ابن القاسم ، وفي المواق قال مالك وكبراء أصحابه : أفعاله كلها بعد البلوغ جائز نافذة ، رشيد كان أو سفيها من غير تفصيل في شيء ، ودهب ابن القاسم إلى أنه ينظر إلى حاله يوم بيعه ...

انظر كتاب مواهب الجليل من أدلة خليل تأليف الشيخ أحمد بن أحمد المختار الجنكي الشتقيطي منشورات المكتبة العلمية بيروت لبنان الطبعة الأولى سنة 2004 الجزء الثالث ص 390

وخلاصة القول أن المشرع في القانون المدني  و من خلال نص المادة 115  اتخذ موقفا وسطا بين الاجتهادين فلم يبطل كل تصرفات السفيه الذي لم يحجر عليه ، ولم يمضها كلها بل جعل إبطالها مشروطا بما إذا كان التصرف نتيجة استغلال المتصرف له لحالة سفه السفيه أو كان نتيجة لتواطؤ بين السفيه والمتصرف له .