أفكار حول الدستور

أفكار حول الدستور

إن إبرام اتفاق بين شخصين ، أو عائلتين ، أو قبليتين بشكل يضمن التعايش بينهم لأجيال متعاقبة ، وإن بدا للوهلة الأولى بأنه أمر سهل ، إلا أننا سرعان ما نكتشف بأنه ليس على ذلك القدر من السهولة التي كنا نتوقعها ، وأنه  ينطوي على بعض الصعوبات ، ولا سبيل إلى تخطيها ، إلا من خلال الغوص في ضمير المتعاقدين،  وتلمس الثوابت المجمع عليها من طرفهم ، والبحث على نقاط التوافق ، لتكون أساس ذلك العقد ، ومنطلقا لكل تفاصله .

 هذه الصعاب ستكون ولا شك عند صياغة الدستور أظهر، لعمق موضوعه واتساع نطاق المتعاقدين فيه ، وتنوعهم فكريا ، وثقافيا ، وعرقيا ، فالدستور ليس سوى عقد اجتماعي يتوافق عليه أبناء المجتمع وكافة شرائحه ومكوناته ، يحددون به إطار الدولة التي سيعيشون في ظلها ، وسيماتها ، وهويتها ، ويضعون من خلاله الضوابط  التي تكفل التعايش المشترك بين كافة مكوناتها  ويرسمون من خلاله شكل الدولة وحدود السلطات ، إلى آخر ما تعنى به الدساتير في هذا السياق من تفاصيل

لهذا يجب على كل من يسهم في وضع الدستور وكتابته ، أن يتعرف على نقاط الوفاق ليتخذها منطلقا ، وعلى نقاط الخلاف ليعمل على تقريب وجهات النظر بشأنها وجمع الفرقاء على كلمة سواء ، فالتوافق هو القاعدة الأسلم ، والأسلوب الأمثل ، لإخراج دستور يحظى بأكبر قدر من القبول ، ويكون معبرا عن إرادة الشعب وتوجهاته ، ويسهم في خلق نسيج اجتماعي متجانس ، بما يحفظ للدولة كيانها وديمومة وحدتها .

انطلاقا من هذا كله ، ومن خلال معايشتي عن قرب للمشهد الليبي مند اندلاع ثورة السابع عشر من فبراير ومشاركتي في العديد من الندوات والمؤتمرات المعنية بالشأن الدستوري وشكل الدولة ونظام الحكم ، قد أصبحت على يقين بأن الفرصة متاحة أمام الليبيين في بناء دولة مستقرة على دعائم من الحق والعدل تضمن الحقوق والحريات في حدود ثوابت الأمة ومقدساتها وقيمها وأنهم قاب قوسين أو أدنى من ذلك الهدف حيث تكاد تنحصر نقاط الخلاف في الآتي  :

1)   دسترة الشريعة ــ 2ـ ترسيم لغات المكونات الأخرى ــ 3 ــ معالجة الآثار السلبية للمركزية ــ  4 ـ اسم الدولة  والعلم ــ 5 ـ الأحزاب السياسية وضوابط بناءها ــ 6 ـ شكل النظام الرئاسي 7ـ العفو والمصالحة كطريق لبناء الدولة

وسيتم طرح الرؤى حول كل نقطة من هذه النقاط

 

أولا / دسترة الشريعة :

تعالت الأصوات مند قيام ثورة السابع عشر من فبراير ( وكاد الليبيون أن يجمعوا في الشهور الأولى عقب الثورة ) على ضرورة تطبيق الشريعة الاسلامية وتحكيمها والاحتكام إليها في كل شئون الحياة  ، إلا أن تلك الأصوات ما لبثت أن خفتت وتناقص عدد المنادين بتحكيم الشريعة ، بل وأصبح البعض يبدي مخاوفة من الانسياق وراء هذا المطلب ، وهي مخاوف وإن كان المقام لا يتسع لعرضها ، إلا أنها مع ذلك تبقى مجرد مخاوف ، لن تتني الليبيين عن المطالبة بتحكيم الشريعة ، وسرعان ما تتبدد ، ولن يختلف الليبيون بعدها حول تحكيم الشريعة والاحتكام إليها ، متى قدمت إليهم في صورتها التي ألفوها من خلال تحكيم الراجح والمشهور من مذهب الإمام مالك ، فما يرفضه الليبيون حقيقة ليس الاحتكام إلى الشريعة الاسلامية يل هو أن يفرض عليهم الاحتكام إلى مذهب واجتهاد معين تحت أي مسمى وبأي ذريعة .

 ومن ثم فإن النص في الدستور على أن الشريعة الاسلامية وفق الاجتهاد الراجح من مذهب أهل البلد هي المصدر الرئيس للتشريع ، سيكون نصا حاسما لكل أوجه الخلاف وسيجمع الليبيين ويبدد كل المخاوف وعندها فقط يكون الدستور معبرا تعبيرا حقيقيا عن ضمير الأمة ووجدانها لا عن ضمير أو رغبة فرقة أو جماعة  معينة .

وقد يقول قائل أن استعمال صيغة المصدر الرئيس ، سيفتح الباب أمام مصادر أخرى ، وإن لم تكن رئيسة ، إلا أنها ستمكن السلطة التشريعية من اللجوء إليها ، كما ينطوي هذا الاستعمال على إشعار بعدم كمال الشريعة وشمولها وعجزها على تنظيم جميع شؤون الحياة .

فهذا القول مردود ذلك أن استخدام لفظ المصدر الرئيس لن يعطي للهيئة التشريعية الحق في اللجوء إلى أي مصدر إلا بعد أن تستفرغ الجهد في البحث داخل مصادر الشريعة ، أي أنه لا يجوز الانتقال إلى أي مصدر آخر إلا إذا تعذر عليها أن تستلهم التشريع من ثوابت الشريعة وقواعدها الكلية وهذا أمر نادر الحدوث إن لم يكن مستحلا

أما الحكمة من وراء اعتبار الشريعة المصدر الرئيس وعدم اعتبارها المصدر الوحيد هو أن أجزاء من إقليم ليبيا وفضاءها الاقتصادي وبعض ثرواتها خاضع مند اللحظة إلى قواعد القانون الدولي وتستمد حمايتها منه مثال ذلك الثورات الواقعة داخل نطاق الجرف القاري وبالتالي فإن النص على اعتبار الشريعة هي المصدر الوحيد سيناقض الواقع القائم وسيجعل من الدولة عاجزة عن حماية ثرواتها إلا إذا انظمت إلى الأسرة الدولية وأقرت مبادئ القانون الدولي التي لا بد لها من استخدامها عند الحاجة سواء عند سن بعض التشريعات التي تنظم مجالها الإقليمي أو في حال رد اعتداء دولة أخرى . وعلى هذا فإن اعتبار الشريعة المصدر الرئيس وليس الوحيد أولى وأجدى .

 

ثانيا : ترسيم لغات المكونات الأخرى :

يجب أن نكون  موضوعيين عند تقيمنا للأمور ، وواقعيين عند توصيفها ، ومنصفين عند إصدار الأحكام واتخاذ القرارات بشأنها ، وإلا فإننا لن نستطيع أن نبي وطنا يتسع للجميع

لقد عاشت مكونات المجتمع الليبي من ( أمازيغ  وتبو) وسط أمة كان يجمعها ويوحدها الإسلام ، وكانت حينها تسمى بالأمة الإسلامية ، تستخدم اللغة العربية لا باعتبارها لغة العرب بل باعتبارها لغة الدين ، وقد اندمجت تلك المكونات وغيرها داخل الفضاء الإسلامي ، وأسهمت في بناء الحضارة الإسلامية بسمتها العربي أيما إسهام ، ولم نسمع طوال الأربعة عشر قرنا الماضية ، أن هذه المكونات قد طالبت بالانفصال أو بتشكيل كيان خاص بها أو بترسيم لغاتها ، وبالتالي فإنه من الملائم البحث عن الأسباب التي دفعت بمكونات المجتمع الليبي خاصة ، ومكونات بعض الدول العربية عامة إلى المطالبة بما يبرز هويتها ويميزها عن محيطها .

إن ما يعانيه الإنسان المسلم عامة ، والشرق الأوسطي خاصة ، من أزمة في الهوية ، وعدم قدرته على تحديد عناصرها الأولية ، ومكوناتها الأساسية  ، هي السبب الرئيس الذي يكمن وراء هذه المطالب ،فالأتراك اعتبروا الاسلام هو المسئول عن تخلفهم ، ولهذا أعلنوا دولتهم العلمانية على يد أتاتروك ، وتنكروا حتى للحرف العربي وانتموا إلى كل ما هو غربي ،  ولقد كان لحركة القوميين العرب ، ومحاولة إبراز وتكوين هوية عربية استنادا إلى  العرق واللغة ، أثر بالغ على باقي المكونات التي تعايشت واندمجت مع العرب ضمن المعين والحاضنة الإسلامية حيث شعروا بأن ذلك الرابط ( وهو الإسلام ) لم يعد في مقدمة اهتمام الطرف المقابل الذي أعاد ترتيب العناصر المكونة لهويته ، وحصرها في العرق واللغة ، ولهذا جاءت مطالب المكونات الأخرى كرد فعل طبيعي على كل ذلك ، بعد أن أعلن العرب الانفصال من جانب واحد ، وبالتالي حق لها أن تعيد ترتيب عناصر هويتها بأن تجعل العرق واللغة هي المكون الأساس لتلك الهوية ، وفي ظل هذه الأوضاع والتراكمات لن يكون في المقدور على الأقل في الوقت القريب رأب هذا الصدع وتطبيب ما أحدته الحراك القومي من شرخ في نسيج الأمة ، ويتعين التعامل مع مطالب المكونات بإيجابيه لأنها أصبحت مبررة بحكم الواقع والتعاطي معها بالقدر الذي يشعرها بأن حقوقها مكفولة والعمل مستقبلا على ترسيخ فكرة أن الإسلام هو المكون الأول والرئيس لهوية الإنسان المسلم وأن الولاء والبراء منعقد عليه لا على غيره ، وأن باقي العناصر الأخرى كاللغة والعرق واللون وإن كان يراها البعض في عصرنا الحاضر ، أنها من مكونات الهوية ، فهي في الواقع ما هي إلا عناصر لجأ إليها المفكرون في الغرب ، لتحديد هوية الإنسان الغربي بعد أن فقد الانتماء الديني زخمه في ظل الفكر العلماني  ، ولهذا يجب الإقرار في الدستور لباقي مكونات المجتمع الليبي بحقهم في التكلم بلغتهم والكتابة بها وتعليمها وترسيمها في محيطها الديموغرافي مع النص على ضرورة أن تكون كل  الوثائق المكتوبة بلغات المكونات الأخرى مصحوبة  بترجمة للغة العربية ليسهل التعامل معها على أن تكون الجهات الإدارية الواقعة خارج نطاق محيط المكونات الأخرى ملزمة بالرد على المراسلات الواردة إليها أو الصادرة منها بلغة المكون المرسلة إليه الوثيقة وأن تكون اللغة العربية هي المرجع والأساس عند الاختلاف  باعتبارها هي اللغة التي يثقنها الجميع

 

ثالثا : اسم الدولة والعلم والنشيد :

إن العلم الوطني والنشيد الوطني لا يرمزان إلا إلى الوطن بكل مكوناته الاجتماعية والثقافية دون أن يكون فيهما أي دلالة أخرى ترمز إلى فئة أو مكون دون آخر ، فالعلم رمز لليبيا ، الأرض والإنسان ، ثم التوافق عليه في أول دستور للدولة الليبية وهو لا يرمز إلا لميلاد هذه الدولة ويميزها عن غيرها من الدول ومن هنا فإن رفع أي راية أخرى ، أو إحداث أي تعديل في شكل هذا العلم ، يحمل في طياته تنكر لماضي الدولة الليبية من تاريخ ميلادها وحتى انقلاب سنة 1969 م كما يحمل إشعار بوجود اختلاف وتباين عرقي في هذا الوطن ، يسعى البعض إلى ترسيخه وإبرازه دون موجب لذلك ، طالما انتهينا أن الإسلام هو المكون الأساس  لهوية الإنسان المسلم ، وأنه يجب علينا أن نجعل منه المكون الرئيس والوحيد لهوية المواطن الليبي ، باعتبار ليبيا والحمد لله دولة إسلامية بكل مكوناتها

وانطلاقا من ذلك فإنه لا يجب إحداث أي تغير أو تبديل في العلم أو النشيد الوطني إذا اردنا المحافظة على ما لهاذين الرمزين من دلالة على ميلاد ليبيا الدولة . وإن كان لبعض مكونات المجتمع الليبي شعارهم الذي كانوا يرفعونه قبل دخول الإسلام إلى ليبيا ، فإن رفعه اليوم يجب أن يقتصر على مهرجاناتهم واحتفالاتهم كرمز للهوية الثقافية ، ولو لم يسبقنا تنظيم القاعدة وبعض الجماعات الإسلامية الأخرى إلى رفع الراية البيضاء ( المسماة بالعقاب )  راية رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتباط اسم تلك التنظيمات بالإرهاب ، لكان من الأجدى ، اتخاذ تلك الراية أو ما يقاربها علما لليبيا لأنها تمثل القاسم المشترك بين الليبيين جميعا وهو الإسلام  ، ولما فيها من دلالة ، على أن ليبيا دولة مسالمة وشعبا مسلما لا فرق بين مواطنيها إلا بالتقوى

إن اسم ليبيا مجردا عن كل ما يشير إلى الأصول العرقية لمواطنيها مقترنا بما يميز شكل نظام الحكم ، هو الاسم الأكثر ملائمة لدولة ليبيا المستقبل ، وهو يتفق مع حقيقتها كدولة تتواجد بها مكونات عدة وإن كانت عربية في سيماتها الثقافية ، إلا أن سكانها يعدون إلى أصول عرقية مختلفة ، ولهذا جاء اسم ليبيا في دستور المملكة مجرد عن أي وصف سوى ما يشير إلى نظام الحكم ، حيث سميت بالمملكة الليبية المتحدة ، ثم المملكة الليبية ، ومن ثم فإن الاسم الأنسب لليبيا هو الجمهورية الليبية ، ولا بأس إذا ما تضمن الاسم إشارة الرابط الإسلامي  الذي يربط بين مواطنيها ترسيخا لهذا الرابط ، ورفعا لما وقر في النفوس من أثر ، نتيجة لإضفاء الهوية العربية على ليبيا مند سنة 1996 وحتى قيام ثورة 17 فبراير المجيدة ، وعلى هذا سيكون اسم ليبيا جمهورية ليبيا الإسلامية أو الجمهورية الإسلامية الليبية أو ما قارب ذلك من مسميات

 

رابعا: شكل الدولة ومعالجة عيوب المركزية:

 الدولة البسيطة هي الدولة التي توجد بها حكومة واحدة تبسط كامل سلطانها على كامل الإقليم ، أما الدولة المركبة فهي التي توجد بها سلطان أو حكومتان حكومة أو سلطة لكل إقليم أو ولاية أو جمهورية وحكومة مركزية لها سلطة على كامل الدولة ــ مثال الدولة البسيطة ليبيا مند سنة 1963 عندما أجري التعديل الدستوري وألغي النظام الفدرالي ومثال الدولة المركبة ليبيا ما قبل 1963 وهناك العديد من الأمثلة للدول المركبة كأمريكيا والهند وبريطانيا ...وأمثلة أخرى للدول البسيطة كفرنسا وإيطاليا وجمهورية مصر

ولكل من النظامين مزاياه وعيوبه الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ، ومن بين مزايا النظام الفدرالي ، هو ما يولده من شعور بعدم التهميش لدى سكان الأقاليم أو الولايات البعيدة عن مقر السلطة المركزية ، إلا أن ذلك الشعور ما يلبث أن يتلاشى ، خاصة إذا أخفقت سلطة الإقليم في إدارته بالشكل الأمثل ، حيث يبرز التذمر من السلطة المركزية في شكل آخر بدعوى عدم توازن العلاقة بين الإقليم والدولة ، وعدم العدالة في توزيع الثروات ، لتبرر سلطة الإقليم إخفاقاتها ، وليبرر إصحاب النزعة الانفصالية مطالبهم بالانفصال عن الدولة ، وحينها يكون في الامكان تحقيق ذلك بشكل اسهل وأسرع ، لتوافر كافة المعطيات المؤهلة للانفصال ممثلة في وجود سلطة خاصة بالإقليم ، وحدود واضحة المعالم .. والحقيقة النظرية التي لا يختلف عنها اثنان ، أن النظام الفدرالي يصلح عند بناء الدول كأساس ومنطلق لبناء دولة بسيطة ، إذ يعتبر هو الخطوة الأولى نحو ذلك ، إما أن تعقبها خطوة إلغاء الفدرالية وتصبح الدولة بسيطة بعد أن كانت فدرالية ، أو أن تبقى الدولة مركبة كما هي عليه إلى ما شاء ، أما الانتقال من الدولة البسيطة إلى الدولة المركبة فهو خطوة نحو الانفصال

ومن عيوب الدولة البسيطة ، تركز السلطات في يد الحكومة المركزية حيث لا يكون للسلطات الإدارية للأقاليم سلطة اتخاذ القرار، إذ غالبا ما تكون تلك السلطات تأتمر بأمر السلطة المركزية ، وتعمل من خلال ما يوفر لها من إمكانات مادية ومكن إدارية ، حتى أن السلطة المركزية قد تحتكر لنفسها سلطة منح بعض الرخص والوثائق التي يحتاجها المواطن ، وهو ما يلقي بأعباء ثقيلة على المواطنين القاطنين في الأقاليم البعيدة ويؤخر خدماتهم وقد يعطلها

وبالتالي فإن تلافي عيوب النظام المركزي وعيوب النظام الفدرالي يكمن في تقسيم الدولة إلى محافظات تتمتع مجالسها بسلطات واسعة في مجال الإدارة تعطيه الحق في إصدار كافة الرخص والوثائق من خلال وضع قانون يحصر ما يصدر عن الدولة من مستندات ويبين كيفية اصدارها والمستندات المطلوبة لذلك وبذلك لن يكون أي مواطن ملزم بالحضور إلى حيث الحكومة المركزية لاستخراج أي مستند أو وثيقة كما يجب أن تعطى مجالس المحافظات مكنة تقديم جميع أنواع الخدمات  لمواطنيها حتى تكون تلك السلطة هي المسئولة أمام مواطنيها ويجب أن يراعى في توزيع ميزانية الدولة التنموية عدد سكان المحافظة في مجال الخدمات التي يكون فيها عدد السكان هو محل الاعتبار ومساحة الإقليم في الخدمات والتنمية التي تكون فيها المساحة هي محل الاعتبار فمثلا مخصصات الطرق في الميزانية العامة لا يمكن أن يقسم بالتساوي بين محافظة لا تزيد مساحتها عن مائة كليو متر في المائة كيلو متر وبين محافظة تتباعد مدنها وقراها ميئات الكيلو مترات

وأن تبقى للسلطة المركزية حق الإشراف والمراقبة على أوجه الصرف ضمانا لعدم تبديد أموال الدولة

 

 

خامسا : الأحزاب وتكوينها

حظر الأحزاب الدينية والأحزاب ذات البعد الدولي والإقليمي

 

من الأخطاء الجسيمة التي وقع فيها المجلس الوطني الانتقالي ، هو السماح بتكوين الأحزاب والكيانات السياسية قبل صدور الدستور بل وقبل صدور قانون ينظم تكوين الأحزاب ويبين اشتراطات ذلك ، وهو ما أدى إلى تكوين أحزاب إما على أساس ديني ، أو ذات توجه أبعد في مداه من مدى الوطن ، أو تكوينها على أساس انتماءات وولاءات شخصية أو جهوية ، دون أن يكون لها أي بعد أو رابط فكري بين المنتسبين إليها ، وهو ما سبب في إرباك المشهد الليبي ، وبدت تلك الأحزاب وكأنها جماعات تسعى لتحقيق منافع شخصية

وانطلاقا من ذلك فإن دسترة الشريعة ستكون هي شهادة الوفاة لكل حزب أو كيان سياسي يستند في تكوينه ووجوده على أساس ديني فبعد اعتماد الشريعة كمصدر رئيس للتشريع يتعين منع تكوين الأحزاب والكيانات السياسية على أساس ديني ، وحضر أي حزب أو كيان يمارس العمل السياسي باسم الدين ، لأنه لا يجب أن نتخذ الدين مطية للسياسة لأننا حينها سنسيئ كما لا يجب أن نتخذ السياسية وسيلة للدين وعلى تلك الكيانات أن تتفرغ للنشاط الدعوي لأن توطين الدين في نفوس الناس ، وأسلمة الشارع ، هو ما سنحتاج إليه ، بعد أن وطن الدين في مؤسسات الدولة وأصبحت الشريعة هي التشريع  

  • ·       كما أن أي حزب أو كيان سياسي ذا بعد  دولي أو إقليمي ، وخاصة تلك التي تكون جدورها بالخارج ، وما يطل منها على الوطن هو مجرد أغصان وفروع ، يجب أن تحظر ولو حظرا مؤقتا في مرحلة البناء ، لأنها ستعمل على تحقيق أهداف أبعد من مدى الوطن ، وستسخر إمكاناته ومقدراته لتحقيق تلك الأهداف ، وسيكون ولائها للخارج أكثر من ولائها للداخل .

 

سادسا : نظام الحكم رئاسي برلماني مختلط

  • ·       النظام الرئاسي ، والنظام البرلماني ، والنظام المختلط ــ النظام الرئاسي هو أن تتركز السلطة التنفيذية بيد رئيس الدولة ، كما هو عليه الحال اليوم في فرنسا وأمريكيا ، أما النظام البرلماني فإن السلطة التنفيذية تكون من مهام الحكومة ولا يكون رئيس الدولة سوى رمز للبلاد ، أما النظام المختلط فيتم توزيع السلطة التنفيذية بين رئيس الجمهورية والحكومة   بحيث تسند لرئيس الدولة بعض الاختصاص ، وتكون الحكومة مختصة بباقي السلطة التنفيذية

ولكل نظام مزاياه وعيوبه فالنظام الرئاسي نظام فعال لسرعة اتخاذ القرارات وتنفيذها لأن السلطة التنفيذية في هذا النظام هي سلطة تنفيذية واحدة متجسدة في شخص الرئيس ، كما أن المسئولية فيه محددة أيضا في شخص الرئيس وبالتالي لا يتسنى له التنصل منها سواء وقع التقصير والخطأ منه أو من بعض معاونيه ووزراءه لأنه هو المسئول عن اختيارهم وما يعيب هذا النظام أنه قد يصنع مستبدا جديدا وأن الدولة ستعمل بعقلية وذهنية رجل واحد

أما النظام البرلماني فهو يتميز بأن السلطة التنفيذية ممثلة في الحكومة يتم اختيارها من خلال السلطة التشريعية وتكون الصلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية صلة تكامل ، وما يميز هذا النظام ان الدولة ستدار بعقلية جماعية وما يعيب هذا النظام هو صعوبة اتخاذ القرارات والتأخر فيها والتجاذبات السياسية

أما النظام المختلط هو أن يكون للرئيس بعض الصلاحيات وخاصة في المسائل ذات الطابع المتميز والتي تحتاج لمعالجة سريعة وحاسمة وتكون باقي الصلاحيات بيد الحكومة وهنا تكون الدولة تعمل بسلطتين تنفيذيتين الرئيس والحكومة وتكون السلطة التشريعية تقف على مسافة واحدة من السلطتين وهذا النظام وسط بين النظامين السابقين وقد أصبح شائعا ولجأت إليه أخيرا العديد من الدول لتفادي عيوب النظامين السابقين

 

سابعا : المصالحة والعفو هما الطريق الأمثل لبناء الدولة

  • ·       العفو عن بعض الجرائم وإسقاط العقوبات وإن لم تكن حسب المألوف  محل اهتمام الدساتير ومن ضمن موادها ونصوصها ، إلا أن لكل قاعدة استثناء ، والأمور تقدر بقدرها ، وأي دستور لا يحقق غرضه الأساس وهو المساهمة في بناء الدولة وإيجاد الأرضية المناسبة لذلك فإنه يبقى مجرد حبر على ورق وبالتالي فإن دستور ليبيا الجديدة ولأنه قد جاء عقب أحداث جسام أحدث شرخا عميقا في النسيج الاجتماعي يحتاج منا لتنازلات مؤلمة لتطبيبه  فإن هذا الدستور يجب أن يتضمن نصا صريحا يحث على العفو على كل جريمة دون القتل بدم بارد ، وكل فعل آخر دون هتك الأعرض ، وإسقاط لكل عقوبة ، والعمل على مراضاة المضرورين وتعويضهم ، ولا يعني ذلك المساس بحقوق أولياء الدم أو أصحاب الحقوق في القصاص ، بل يهدف إلى جعل الدولة تسهم في المصالحة بعرض حوافز مادية ومعنوية مغرية ، لكل من عفى وذلك لتسهم في إصلاح ذات البين 

 

  • ·       على هذه الأسس نطمح في بناء ليبيا الجديدة والله ولي التوفيق