مضمون ومحتوى الدستور عند اعتبار الشريعة مصدر التشريع

مضمون ومحتوى الدستور عند اعتبار الشريعة الإسلامية مصدر التشريع

أولا : توطئة وتمهيد

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين وعلى آله وصحبه رضوان الله عليهم أجمعين وعلى التابعين وتابع التابعين ومن تبعهم بإحسان  إلى يوم الدين 

أما بعد ، إن النجاح في أي بحث علمي يتوقف على مدى قدرة الباحث على التحرر من الأفكار والصور والأنماط الراسخة مسبقا في دهنه ومخيلته حول موضوع البحث ، وهذا لا يعني عدم توظيف ما لديه من معلومات ومعارف ، بل كل ما يجب ( لإنجاح البحث) أن لا يجعل من تلك المعارف والمعلومات مسلمات غير قابلة للنقاش أو الجدل ، ففي مجال البحث العلمي يتعين التأكد من صدق المقدمات لضمان صدق النتائج ، والواقع الملحوظ أن معظم من كتب في مجال أنظمة الحكم للدول الإسلامية كان متأثرا بشكل أو بآخر بأنظمة الحكم الديمقراطية السائدة في المجتمعات الغربية ، بين منبهرا بها ، بحيث لا يكاد يرى نظاما عادلا يمكن من خلاله تحقيق سعادة الإنسان ورقي الأمة إلا في صورة تلك الأنظمة أو ما قاربها في الشبه ، وبين نافر منها رافضا لها لما يرى فيها بصورتها التي هي عليها في الغرب من تصادم بثوابت ومنظومة قيم وأخلاقيات الإسلام ، وهو ما يؤدي غالبا إما إلى رفض إدخال أي تغير على ذلك النمط المألوف أو تعديل في مداه ومكوناته ، وكأنه نظام متلازم البنيان ، محكم الحلقات ، بحيث يتعين علينا أن نرفضه أو نقبله كما هو ، وهذا ما يقود في أكثر الأحوال إلى رفض النظام الديمقراطي  بالكامل وكأنه شر مطلق لا خير فيه ، وهنا ممكن الخطأ ، فالديمقراطية بصورتها المألوفة اليوم هي نتاج عمل إنساني شاركت فيه الإنسانية عموما بقدر أو بآخر ، وهي ليست نظاما جامدا غير قابل للتحوير أو التعديل أو الإنقاص منه أو الإضافة إليه ، وإن بدت لنا كذلك ، بحكم التشابه الذي نلحظه في تطبيق هذا النظام رغم اختلاف البلدان المطبقة له لغة ودينا وعرقا ومكانا ، فإنها في الواقع ليست كذلك ، فهي مرنة بالقدر الذي يكون في وسع كل أمة أن تدخل على هذا النظام ما تراه من تعديلات وإضافات بما يتناسب وأهدافها ومقاصدها ، وبشرط أن لا تصطدم مع المبادئ الأساسية المحققة للعدالة ، ومن هنا فإن  دستور الأمة الإسلامية متى أرادت  أن تحافظ على ثوابتها الدينية ، وتميزها الثقافي ، وهويتها الإسلامية ، ليس بالضرورة أن يكون صورة مستنسخة من الدساتير القائمة في بلدان العالم الغربي أو الشرقي المتغرب ، بل يمكن أن يحمل من المغايرة ما يعبر عن خصوصية الأمة ويحفظ لها هويتها وثوابتها ، وأن يحافظ على القدر الذي يحقق العدل وينسجم وتلك الخصوصية ، فإذا كنا كمسلمين معجبين بذلك التناوب السلس على السلطة السائد في الغرب ، وبذلك الهامش الواسع من الحريات التي يتمتع به الإنساني الغربي ومنبهرين بذلك التقدم العلمي الذي يحققونه في كل يوم ، فإننا في مقابل ذلك نشعر كمسلمين بالامتعاض والنفور لما آلت إليه الروابط الاجتماعية في الغرب من تفكك ، وانتهت إليه منظومة الأخلاق من تفسخ   حتى أصبحت تناقض مبادئ الفطرة التي فطر الله الناس عليها

 ولهذا كي يتسنى لنا تصور ما يمكن أن يتضمنه ويحتويه دستور الأمة الإسلامية من مبادئ وضوابط لابد لنا بداية أن نحدد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها نموذج النظام الديمقراطي الغربي والنظر فيما يمكن الأخذ به من تلك المبادئ والأسس وما لا يمكن ، والتعديلات والإضافات التي يتعين إدخالها عليها بحيث تتواءم مع معتقداتنا وقيمنا . ولقد اخترت لهذه الغاية تمحيص أهم المبادئ التي تقوم عليها أنظمة الحكم الحديث وأولها المبدأ الجاعل من الأمة مصدرا للسلطات ، لبحته والوقوف على مدلوله وأبعاده الدينية والفلسفية ، ومدى توافقه مع عقيدة الإنسان المسلم ، وسأناقش الحرية الفردية في ظل الديمقراطيات الغربية باعتبارها تمثل أهم ما يفاخر به هذا النظام ، كما تخيرت أساسا من الأسس التي تقوم عليها الأنظمة الديمقراطية في الغرب وهو أساس الفصل بين السلطات وذلك لأن هذا الأساس وتلك المبدأ يمثلان جوهر النظام الديمقراطي

 

أولا الأمة مصدر السلطات

المراد والمدلول ــ الأبعاد الفكرية والفلسفية لهذا المبدأ ــ موقف الإسلام من هذا المبدأ ــ تحوير هذا المبدأ بما يتوافق والإسلام عقيدة وشريعة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حرصت معظم الدساتير الحديثة في الشرق الإسلامي  على أن يكون هذا المبدأ ضمن نصوصها ، حيث نص عليه في الماد الثانية والعشرين من القانون الأردني ، والفقرة ( د ) من المادة الأولى من دستور البحرين ، والمادة الثالثة من دستور الجمهورية التونسية ، ( كما ورد ضمن الفقرة الخامسة في مسودة مشروع الدستور التونسي المعد من اللجان التأسيسية ) ، ونص على هذا المبدأ أيضا في الفقرة الأولى من المادة السادسة من الدستور الجزائري ، والمادة الثانية من الدستور السوداني ، وكذلك المادة الثانية من الدستور السوري ، وفي الفقرة الثانية من المادة الأولى من الدستور الصومالي ، وفي المادة الخامسة من الدستور العراقي ، وفي المادة الثانية من الدستور الفلسطيني ، وفي المادة 59 من الدستور القطري ، وفي المادة 23 من الدستور المصري ، كما نص على ذلك الدستور المغربي في فصله الثاني من الباب الأول والدستور المورتاني في مادته الثانية ، والدستور اليمني في مادته الرابعة  { 1 }

إلا أنه لم ينص على هذا المبدأ في النظام الأساسي للملكة العربية السعودية أو دستور سلطنة عمان وربما بعض دساتير الدول العربية الأخرى كجيبوتي وجزر القمر ودولة الإمارات 

ومع هذا الانتشار الواسع لهذا المبدأ بين دساتير الدول العربية والإسلامية فإنه سيكون من المفيد الوقوف على المعنى الحقيقي من خلال الرجوع إلى المصدر التاريخي لهذا المبدأ لنحدد المراد منه ، ثم النظر فيما إذا كان ذلك المعنى لا يزال ملازما له ، أم أنه قد طرأ ت من المتغيرات ما جعل من معناه يضيق عما كان عليه

فمبدأ الأمة هي مصدر السلطات (أو ما يعرف بسيادة الأمة ) [ قد نبتت أولا في الفقه الفرنسي ومنها انتقلت إلى الدول الأخرى وبالتالي فهي لا تفهم إلا مرتبطة بأصلها التاريخي حيث قيل بهذه النظرية لأول مرة في القرون الوسطى لتخليص سلطان ملك فرنسا من تبعيته للبابا من ناحية ، وللأمبراطور من ناحية أخرى ، فنادى فقهاء التاج ، بأن الملك سيد في بلاده ، لا يدين بالولاء للبابا ، لأنه يستمد سلطانه ( من الله ومن سيفه ) ، ولا يخضع للأمبراطور ، لأن ملك فرنسا امبراطور في بلاده ، ومن هنا اتسمت السيادة بأنها أصيلة لا تستمد من سلطة أعلى ، كما أنها نهائية لا معقب عليها ، ولا نظير لها في داخل الدولة وأن السيادة للدولة وللملك باعتبار الدولة متجسدة فيه ، فلما جاءت الثورة الفرنسية احتفظت بالنظرية كما صاغها الفقهاء القدماء ولكن فقهاءها نقلوا السيادة من شخص الملك إلى الأمة الفرنسية وضمونها المادة الثالثة من إعلان الحقوق الصادر سنة 1789] { 2 }

ومع أنه قد ثار حول هذه النظرية الكثير من الجدل ( عبر قرون عدة ) إلا أن ذلك الجدل كان في سياق البحث عن تبرير منطقي لسيادة الأمة ، وتأصيل فقهي لها ، ولم يؤثر في مفهوم هذا المبدأ أو مدى معناه ، فقد فهم المبدأ بحسب دلالة ألفاظه حيث حملت على إطلاقها أي بأن الأمة هي مصدر السلطات مطلقا ، لا يقيدها في ذلك قيد ، ولا يحد من سلطتها سلطان ، وساعد على هذا الفهم أن الأمة قد أصبحت بموجب هذا المبدأ بديل لسلطان كانت سلطاته مطلقة بحكم التفويض أللاهي ، إلا أن هذا المعنى الواسع سرعان ما بدأ في الانحسار أمام الخوف من ظهور مستبد جديد ، ولو كان ذلك المستبد هو الأمة بكاملها ، خاصة في ظل ما ظهر من فلسفات تقدس الحرية الفردية ، وتجعل من أوليات الدولة وأكبر مهامها ، حماية تلك الحريات ، وتهيئة المناخ المناسب لممارستها ، فقد لكان لفلسفة ( فولتير ، وجون لوك ) أثرا بالغا في الحد من نطاق هذا المفهوم حيث ينسب لهذا الأخير القول [ أن الإنسان كائن عاقل والحرية لا تنفصل عن السعادة ، وغاية السياسة هي نفس غاية الفلسفة ، إنها البحث عن السعادة التي تكمن في السلام والأمن ، وهكذا لا سعادة بدون ضمانات سياسية ، ولا سياسة حقه إذا لم تكن تهدف إلى نشر السعادة المعقولة ] { 3}  

كما ظهرت الكثير من الفلسفات والاجتهادات الفقهية ، للبحث عن مصدر منطقي وأساس فقهي يبرر سيادة الدولة وسلطانها ، ويرسم حدودا لتلك السيادة  بين قائل بنظرية العقد الاجتماعي (كتوماس هوبز) أو النظرية الواقعية ، وبين مرتكز في تبريره لسيادة الدولة على فكرة التحديد الذاتي ، وبين مناد بنظرية القانون الطبيعي كوسيلة للحد من سلطان الدولة أو الأمة المطلق ، وهو ما يعني أن هذا المبدأ لم يعد يحمل المعنى الذي كان يحمله يوم إعلانه ، حيث ثم الحد من سلطة الأمة ، فلم تعد هي وحدها مصدر السلطات جميعا ، ولم تعد سلطتها مطلقة في جميع النظم الديمقراطية في العالم وفقا للنظريات المشار إليها  إما بالقانون الطبيعي وإما بالتحديد الذاتي  ولا أخاله مخطئا من يقول ، بأن هذا المبدأ هو الذي كان  وراء صناعة الدساتير لضمان الحد الأدنى من الحقوق ، ولوضع حدود التي لا يجوز للأمة أن تتخطاها وهو تسن تشريعاتها

وقد فهم هذا المبدأ من قبل فقهاء الشريعة الإسلامية على أنه مبدأ أساسي لأي نظام ديمقراطي وأنه لا قوام للديمقراطية إلا إذا كانت الأمة مصدر السلطات جميعا بما في ذلك سلطة التشريع وكانت تلك السلطات مطلقة غير مقيدة ، وهو ما جعل المسلمين يناصبون هذا المبدأ العداء ويعتبرون النظم الديمقراطية إذا تأسست انطلاقا من هذا المبدأ تؤدي إلى الكفر الصريح لأنها ستفضي إلى الاحتكام إلى القوانين التي يسنها البرلمان ، وهو ما يعد خروجا عن الشريعة الاسلامية والاحتكام إلى الأهواء واستدلوا على ذلك بصريح القرآن وهنا لا أجد بدا من نقل بعض ما كتبوه علماء الشريعة في هذا المجال ولم أجد حولي في الوقت الذي أعد فيه هذا البحث سوى رسالة قصيرة لمفتي الديار النجدية والحجازية محمد بن إبراهيم عبد اللطيف آل الشيخ المتوفى سنة 1389 ، اقتبست منها بعض الأدلة وأوجه الاستدلال التي ساقها ، حيث جاء في رسالته ما نصه ( بتصرف ) [ إن في اللجوء والاحتكام إلى القانون الوضعي مناقضة صريحة لقوله تعالى : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ، كما نفى الله سبحانه وتعالى الإيمان عن من لم يحكموا النبي صلى الله عليه وسلم فيما شجر بينهم ، نفيا مؤكدا بتكرار أداة النفي وبالقسم قال تعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) ولم يكتفي سبحانه وتعالي منهم مجرد التحكيم للرسول صلى الله عليه وسلم بل عليهم أن يضيفوا إلى ذلك عدم وجود شيء من الحرج في نفوسهم ...ولم يكتفي سبحانه وتعالى منهم بالأمرين بل عليهم أن يضيفوا إليهما أمر ثالث وهو التسليم وهو كمال الانقياد لحكمه صلى الله عليه وسلم بحيث يتخلون ... من أي تعلق للنفس بهذا الشيء ويسلموا ذلك إلى الحكم الحق أتم تسليم ( مستعملا لبيان هذا المعنى ) المصدر المؤكد في قوله جل شأنه { تسليما } إذ به تبين أنه لا يكتفى بمجرد التسليم بل لابد أن يكون ذلك التسليم تسليما مطلقا

كما استدل على مراده وهو عدم جواز الاحتكام إلى القوانين الوضعية بقوله تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ... الآية مبينا إن ذكر النكرة في قوله شيء في سياق الشرط عند قوله فإن تنازعتم مشعر ومفيد للعموم من وجهين وهما جهة الجنس والقدر بحيث تعين الرد إلى الله والرسول فيما محل النزاع أي كان نوعه وجنسه وقدره كبيرا أو صغيرا ، وقد ساق العديد من الآيات القرآنية كقوله تعالى { أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } وقوله تعالى { فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق } وقوله تعالى { وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } وقوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } مرة والظالمون في آية أخرى والفاسقون في آية ثالثة  كل ذلك للتدليل على عدم جواز الاحتكام إلى غير شرع الله منتها إلى أن الاحتكام إلى القوانين الوضيعة سواء لعلة تفضيلها عن الشريعة أو بحجة أنها مساوية لها أو بسبب التنكر للشريعة  مفضيا إلى الكفر بوجه من الوجوه

 ومن هنا وجب التنبيه إلى أن القول بأن الأمة مصدر السلطات ليس مبدأ جامد غير قابل للتحوير بحيث يتعين علينا أن نأخذ به على إطلاقه بل هو مبدأ مرن يمكننا أن نأخذ في الحدود التي نراها مناسبة لنا ومتوافقة مع عقدتنا وقيمنا ، بحث نضع حدا لسلطات الأمة ( ممثلة في الأغلبية البرلمانية ) فلا نطلق يدها في أن تضع التشريعات التي تراها ، بل في مقدورنا كمجتمع إسلامي أن نجعل الشريعة الإسلامية مصدرا رئيسا ووحيدا للتشريع دون أن يؤخذ علينا أننا أخللنا بمبدأ هام من مبادئ الديمقراطية ، فكما مثل القانون الطبيعي في الغرب الإطار العام للتشريعات بحيث لا يجوز لها ان تناقضه أو تتخطاه فإن من الحقيق أن جعل الأمة الإسلامية الشريعة مصدر التشريع وإطاره الذي يتعين على المشرع  احترامه ، ولأن تصبح الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس والوحيد للتشريع ، هي الأمنية التي تمنها أبو القانون المدني الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري حيث قال في هامش الوسيط [ هذا هو الحد الأدنى الذي وصل إليه التقنين الجديد في الأخذ بأحكام الشريعة الإسلامية عدا المسائل الأخرى التي أخذها بالذات من الفقه الإسلامي ، وهي المسائل التي تقدم ذكرها ، أما جعل الشريعة الإسلامية هي الأساس الأول الذي يبنى عليه تشريعنا المدني ، فلا يزال أمنية من أعز الأماني التي تختلج في الصدر وتنطوي عليها الجوانح ، ولكن قبل أن تصبح هذه الأمنية حقيقة واقعية ، ينبغي أن تقوم نهضة علمية قوية لدراسة الشريعة الإسلامية في ضوء القانون المقارن ، ونرجو أن يكون من وراء جعل الفقه الإسلامي مصدرا رسميا للقانون الجديد ما يعاون على قيام هذه النهضة ..] {4}

ومما يؤكد سلامة هذا الرأي ( وهو إمكانية الحد من سلطة الأمة ) هو أن الكثير من الدساتير العربية التي نوهنا عنها سابقا والتي نصت صراحة على أن الأمة هي مصدر السلطات ، تفطن واضعوها إلى أن الأخذ بهذا المبدأ ، لا يقتضي بالضرورة أن يكون على إطلاقه ، ولا يحول وجود مثل هذا النص في الدستور ، من النص صراحة على أن الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع

فقد نص الدستور البحريني في مادته الثانية على أن الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع رغم نصه على أن الشعب هو مصدر السلطات ، كما نص الدستور السوداني في مادته الخامسة على أن تكون الشريعة الإسلامية والإجماع مصدرا للتشريعات التي تسن على المستوى القومي وتطبق على ولايات شمال السودان كما أشار إلى ذلك الدستور السوري في مادته الثالثة عند اعتباره الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع ، وقد نص الدستور الصومالي في مادته الثامنة والتسعون على أنه يجب أن تتطابق القوانين والإجراءات التي لها قوة القانون مع أحكام الدستور والمبادئ العامة للإسلام وقد أكد الدستور العراقي في مادته الثانية على أنه لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام ، واعتبر الدستور العوماني في مادته الثانية الشريعة الإسلامية أساس التشريع فضلا عما قرره الدستور اليمني صراحة في مادته الثالثة من أن الشريعة الإسلامية مصدر جميع التشريعات { 5 }  

ومن هنا ننتهي إلى إمكانية الأخذ بمبدأ أن الأمة هي مصدر السلطات وأن تتم المناداة بهذا المبدأ في أي دستور من دساتير الدول الإسلامية دون أن يكون ذلك مانعا من أن تكون الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع الرئيسي والوحيد لتكون الشريعة هي المنهل الذي تنهل منه الأمة تشريعاتها وتستلهم منها مبادئها الدستورية ، فإذا كانت الديمقراطية الغربية قد أباحت لنفسها أن تحد من سلطان الأمة وأن لا تجعلها المصدر المطلق للسلطات ، فإنه لا يضير الديمقراطيات الإسلامية أن تضع ضوابط لهذا المبدأ من خلال تحديد مصادر التشريع فبدلا من أن يكون القانون الطبيعي هو الملهم لقواعد العدالة وهو المعيار الذي نميز به بين الحق والباطل والعدل والجور فإن الاحتكام إلى قانون خالق الطبيعة أولى وأدعى إلى الطمأنينة من نتائج نستوحيها من خلال قياس قد نصيب فيه وقد نخطأ

 

ثانــــــــــــــيا

الحريــــــــــــــــــــات

فلسفة الحرية في الأنظمة الغربية ــــــ مكانة الإنسان ومركزه في هذا الكون من منظور إسلامي ـــــــ ما يجب أن تتضمنه دساتير الدول الإسلامية في هذا الصدد

إن للحرية العديد من المعاني ، [ وقد يكون من المستحيل أن تتقبل تعريفا واحدا باعتباره تعريفا شاملا ، يصدق على سائر صورها ، إذ لا زال الفلاسفة والباحثون ينسبون إلى الحرية من المعاني ما يجعلها داخل أطر معينة ، هناك تعريف داخل الاطار السياسي ، والاجتماعي ، والديني والنفسي ، والخلقي ، كما أن هناك معان أخرى يتصل بعضها بالعلم والآخر بالمتافيزيقا ، إلى جانب المعاني المرتبطة بالإنسان حسب توجهاته المختلفة ]  { 6 } ومع ما يكتنف معنى الحرية في الأساس من غموض وإبهام فإن الأفكار والمذاهب الفلسفية التي صاحبة بناء الدولة ( وخاصة في الغرب ) زادت من غموضه حيث أصبح لهذه الكلمة معنا هلاميا يتعذر تحديده على وجه دقيق ، فهو بين مد وزجر ، بحسب طبيعة العلاقة بين الفرد والجماعة الممثلة في الدولة ، فنظرية الحقوق الفردية التي [ قال بها روسو واعتنقها من بعده ( هيجل وكنت وإسمان ) ترى أن للفرد حقوقا ولدت معه ، وكان وجودها في الكون أسبق من ظهور الدولة نفسها ، ولدا وجب أن يكون احترام تلك الحقوق حدا منطقيا لسلطة الدولة وحقوقها ، وأصبح لزاما أن يكون استعمال الدولة لسلطاتها مشربا بهذه الروح ، بحيث لا تضع من القوانين إلا ما يضمن تمتع الأفراد بحقوقهم هذه ، وتلتزم بوضع هذه القوانين ، وتمتنع عن إصدار أي قانون ينتهك حرمة تلك الحقوق أو يحدها إلا إذا كان تحديدها ضروريا لحماية حقوق الجميع ] { 7 }

ومن هنا يتضح أن الديمقراطيات الحديثة ليست مجرد آلية ثم التوافق عليها لإدارة الدولة ، لا تحمل في طياتها مضامين أو أبعاد فلسفية ، بل هي في الأصل نتاج فلسفة تعتبر الإنسان هو محور الوجود في هذا الكون ، وتقدس العقل وتمجده ، وتحمي الحريات إلى أبعد مدى ممكن ، وبالتالي يمكن القول بأن حدود الحرية الفردية من هذا المنظور هي النقطة التي تصبح فيها حقوق الجماعة مهددة ، وفي ظل ذلك لن يكون من الغريب أن تجد التشريعات الغربية تحرم الاعتداء على الذات الملكية ، ولا تكثرت بالاعتداء على الذات الإلهية لأن في الأولى مساس برأس الهرم في المجتمع قد يؤذي إلى فقدانه لهيبته في النفوس  وهو ما يشكل مساسا بمصلحة الجماعة وحقوقها وإضعافا لها في بنائها السياسي والإداري ،كما ليس من المستغرب أن تجعل تلك التشريعات من مجرد تمزيق قطعة من القماش ( علم الدولة ) جريمة معاقب عليها قانونا ، بينما من المباح لكل من كان أن يعبث بأي كتاب مقدس

وإذا كانت هذه هي الأفكار والمفاهيم الكامنة وراء تحديد معنى ومدى الحرية الفردية في الغرب فإن نظرة الإسلام للإنسان وعلاقته بالكون وخالق الكون مختلفة ، فالإنسان من منظور إسلامي هو أشرف وأكرم المخلوقات فوق الأرض  ، إلا أن صلته بمحيطه من الكائنات ، وما حوته الطبيعة من خيرات وثروات ، ليست هي صلة المالك بملكه ، بحيث يجوز له أن يتصرف فيها وأن يستمتع ويعبث بها وفق ما يرضي نزواته ويشبع شهواته ، بل هو مؤتمن عليها بموجب عقد الاستخلاف يتصرف في حدود ذلك العقد ، فالإنسان من منظور إسلامي [ خليفة لله ، خلقه ونفخ فيه من روحه ، واستخلفه لعمارة الأرض ، وسخر له كل ما في الوجود وحباه القدرة والحرية والاختيار والاستطاعة والتمكين .. لكن في حدود ثوابت عقد وعهد الاستخلاف ـ عقد وعهد الإنابة والتوكيل فهذا الإنسان وفق عبارة الإمام محمد عبده ......(( هو عبد لله وحده وسيد لكل شيء بعده ] { 8 }

وهذا ما جعل للحرية من منظور إسلامي معنا مختلفا عن معناها في الفلسفات الغربية ، كما جعل من منظومة الأخلاق والقيم لدى المسلمين منظومة تتسم بالثابت فما هو مناف للأخلاق اليوم هو مناف للأخلاق قبل 1400 سنة ، بينما تفتقر منظومة القيم والأخلاق في الغرب إلى هذه السمة فهي متغيرة بحسب ما ينتهي إليه العقل وتدفع إليه الحاجة لإشباع الشهوات ، طالما كان ذلك لا يمس بحقوق الجماعة كهيئة سياسية أو اقتصادية  ، ومرد هذا الاختلاف يعود في الأصل إلى اختلاف له صلة بالعقيدة ، [ فالله ، في التراث الأرسطي الأغريقي ، هو مجرد خالق للعالم والوجود ، خلقه ثم دفعه للحركة فتحرك ، ولا يزال يتحرك بواسطة الأسباب الذاتية المودعة في عوالمه وقواه دونما حاجة إلى تدبير إلهي أو رعاية ربانية أو شريعة دينية يأتي بها الوحي من وراء الطبيعة والوجود المادي ، إلى الأنبياء والمرسلين .........وتلك بعينها هي الفلسفة الوضعية الغربية عندما تؤمن بالخلق والخالق فهي بالعلمانية قد قررت أن العالم مكتف بذاته وأن الإنسان مكتف بذاته فالعالم تدبره الأسباب الذاتية المودعة في عوالمه ومجتمعاته وعوالمه وظواهره ، والإنسان هو سيد الكون ولا سلطان على العقل الإنساني إلا العقل الإنساني وحده (( والعقد الاجتماعي )) البشري يقرره الاختيار الإنساني وحده ] { 9 }

ومن هنا ننتهي إلى أن الدساتير الإسلامية يجب أن تنص صراحة وبكل وضوح أن حرية الإنسان وحقوقه مصونة بالقدر المتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها ، وأنه لا يجوز الانضمام أو التوقيع على أي معاهدة أو ميثاق دولي يناقض ذلك ولو ضمنا .

 

ثالثا : الفصل بين السلطات

الدافع والفلسفة من وراء الفصل بين السلطات وتدرج القواعد القانونية ـــــ الفصل بين السلطات في النظام الديمقراطي الغربي هل هو فصل وهمي أم حقيقي ـــــــــــــــــ الفصل بين السلطات في النظام الاسلامي ــــــــــ

يبدوا لي أن هاجس الخوف من الاستبداد عند الفلاسفة والمفكرين الغربيين كما كان هو الدافع والمحرك أمام ابتداع فكرة الدستور ، كان أيضا وراء فكرة الفصل بين السلطات ، فهاتان الفكرتان تجد أساسهما في الأصل في الفلسفة اليونانية القديمة عند أرسطو ، والفلاسفة المنادين بالقانون الطبيعي إذ يرون أنه يوجد [ قانون أعلى من القوانين الوضعية ، قانون ثابت أبدي صالح لكل زمان ومكان لأنه إنما يصدر عن طبيعة الأشياء ....غير أن فكرة القانون الطبيعي قد أتيح لها ....أن تصبح فكرة قانونية بعد أن كانت فكرة فلسفية في العصور الأولى وفكرة دينية في العصور الوسطى ، فأصبح ينظر إلى هذه الفكرة لا باعتبار أنها تتضمن موجهات كلية مثالية يستخلصها العقل من طبيعة الأشياء ويلتزم المشرع باحترامها في القوانين الوضعية ، ويلتزم القاضي كذلك باستهدائها إن قصرت القوانين الوضعية عن البصر ....بل أصبح ينظر إليها باعتبار أنها تتضمن قواعد جزئية تفصيلية تواجه كل ما يعرض في العمل من حالات ، وتجد له الحل العادل المعقول ] { 10 } وعلى اعتبار أن هذا القانون الطبيعي هو الذي يعد ملهما لكل مبادئ العدل والإنصاف التي يجب أن تتضمنها القوانين الوضعية ،فإنه ،سيكون من المنطقي أن لا نستلهم من هذه المبادئ العادلة قانون ظالم ، وأي قانون لا يحقق العدل هو في الأصل ينطوي على مخالفة للمصدر الذي استمد منه مما يفقده احترامه ويحتم استبعاده وعدم العمل به ، من هنا في جاءت فكرة التدرج في التشريع ، [ إذ يجب أن يستتبع استمداد كل تشريع قوته وصحته من مطابقته لقواعد التشريع الذي يعلوه ] { 11 } وبالتالي فإن اي تشريع يتناقض مع مبادئ القانون الطبيعي هومناقض لتشريع أسمى منه

كما أن مبدأ الفصل بين السلطات يجد أساسه الفلسفي عند الفلاسفة القدماء كافلاطون  وأرسطو من خلال اعتنائهم في فلسفاتهم بتقسيم وظائف الدولة المختلفة ، إلا أن هذا المبدأ لم يظهر للوجود كما هو عليه اليوم إلا على يد ( منتسيكو ) الذي يقول [  (( إن سلطات الدولة يجب أن لا تجتمع في يد شخص واحد لأنه إذا اجتمعت السلطان التشريعية أو التنفيذية في يد شخص أو هيئة واحدة انعدمت الحرية ..وكذلك الشأن إذا اجتمعت السلطات الثلاث في يد واحدة ولو كانت يد الشعب )) (( وأن الحرية السياسية لا يمكن أن تتواجد إلا في ظل الحكومات المعتدلة غير أنها لا توجد دائما ، إذ أنها لا تتحقق إلا عند عدم إساءة استعمال السلطة ، ولكن التجربة الأبدية أثبتت أن كل إنسان يتمتع بسلطة لابد أن يسيء استعمالها إلى أن يجد الحدود الذي توقفه ....ولكي لا يمكن إساءة استعمال السلطة فإنه يجب أن يكون الأساس هو أن السلطة توقف السلطة )) ] { 12 }

ومع هذا كله فإن مبدأ الفصل بين السلطات وإن بد لنا أنها مطبق على الواقع ، إلا أن ذلك الفصل كثيرا ما يكون فصلا وهميا فالغالب أن تتحد السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية وتتجسدان في حزب واحد ، تكون له الأغلبية في البرلمان ، ويصبح من حقه تشكيل الحكومة وإيقالتها وسحب الثقة منها ، وعندها وإن بدا لنا أن السلطة التنفيذية منفصلة عن السلطة التشريعية عضويا فإن ذلك الانفصال ، لا يحقق النتائج المرجوة منه ، لأن كلا السلطتين تلتقيان في المنهج والفكر والأيدلوجيات ، وقد يكون لاتفاقها أثر وتأثير على السلطة القضائية التي لا تملك في الغالب من وسائل القوة ما يحميها من تغول هاتين السلطتين

وفي مقابل تلك الفلسفات وهذه المخاوف من الاستبداد التي كانت وراء المناداة بفكر الفصل بين السلطات نجد النظام الإسلامي  حقق هذا الفصل بمنهجية هي أكثر وضوحا وأكثر استقرارا من خلال الشريعة الإسلامية إذ لن تكون السلطة التشريعية هي سلطة تشريعية بالمفهوم التقليدي المألوف لنا اليوم بحيث يكون من حقها أن تسن التشريعات وفق أهوائها وآراءها ، بل هي ملزمة عند سنها لأي تشريع دعت إليه الضرورة أن تستنبطه من مصادر الفقه الإسلامي ووفق القواعد والضوابط الأصولية ، فمهمتها لن تكون تشريعية بالمعنى الحرفي للكلمة بل هي أقرب إلى مهمة المجتهد الباحث عن الحكم الشرعي لكل ما يجد من وقائع وتدعوا الحاجة إليه ، وبهذا فإنه لن تتأثر الحرية من اجتماع  السلطة التشريعية والتنفيذية في هيئة واحدة أو شخص واحد ، كما أن قيام سلطتين تشريعية وتنفيذية منفصلتين عضويا ، قد يكون في ظل هذا النظام عاملا إيجابيا لما سيحققه تلقائيا من رقابة وهو ما يبرر تواجد سلطة تشريعية في بناء وهيكلية الدولة الإسلامية الحديثة سواء تحت هذا المسمى أو مسمى آخر يكون أكثر توافقا مع المهمة الحقيقية المنوطة بهذه السلطة

وفي الختام

فإنني أنتهي إلى [ أن في النظام الإسلامي مبادئ ومقاصد إلهية تحقق لهذا النظام تميزه وخلوده عبر الزمان والمكان وهناك الآليات والمؤسسات التي هي ثمرة للاجتهاد الإسلامي والخبرات البشرية تتطور عبر الزمان والمكان بقدر ما تكون أقدر وأفعل في تجسيد وتحقيق المبادئ الإلهية الثابتة ] { 13} وهذا لا يعني أن لا نستفيد من خبرات وتجارب الغير وأن نصد كل ما هو غربي لا لشيء إلا لأنه غربي ، ولا يعني كذلك أن نستقبل  بالترحيب والتهليل  كل ما هو آت من الغرب ، إذ لكل أمة هويتها وخصوصيتها ومعتقداتها التي يجب أن تحافظ عليها وتحتفظ بها نقية من شوائب الإلحاد ومن ثم فإنه من حقنا بل ومن الواجب علينا نستفيد من تجارب الغير فنقل بكل مبدأ من مبادئ الديمقراطية يتفق مع مبادئ الإسلام مجردا عن بعده العقدي ونرفض ما عدا ذلك  فالحكمة ضالة المؤمن أين ما وجدها هو أولى بها من غيره ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها

                                           والسلام

                                                              المحامي

                                                         محمد مفتاح اليسير

المراجع

ـــــــــــــــ

1) كتاب دساتير الدول العربية مجموعة الوثائق الدستورية للوطن العربي د / ميلود المهذبي منشورات دار الرواد الطبعة الأولى

2) النظم السياسية والقانون الدستوري دراسة مقارنة للدكتور سليمان طماوي ص 136 ، 137

3) الوجيز في القانون الدستوري والنظم السياسية للدكتور منصور ميلاد يونس الطبعة الثانية ص 116

4) الوسيط في شرح القانون المدني للدكتور عبد الرزاق السنهوري ج1 مصادر الالتزام دار النشر للجامعات المصرية 1952  ص 48 الهامش

5) كتاب دساتير الدول العربية مجموعة الوثائق الدستورية للوطن العربي د / ميلود المهذبي منشورات دار الرواد الطبعة الأولى

6) كتاب الدين والحرية للأستاذ سالمة عبد الجبار الطبعة الثانية فبراير 1991 مطابع الوحدة العربية الزاوية ص 29

7) النظم السياسية والقانون الدستوري دراسة مقارنة للدكتور سليمان طماوي ص 54

8) كتاب مستقبلنا بين التجديد والحداثة الغربية للدكتور محمد عماره مكتبة الشورى الدولية ص 8 ، 9

9) المرجع السابق

10) المدخل إلى القانون الدكتور حسن كيره دار المعارف بالاسكندرية ص 106 ، 107

11) المرجع السابق ص 247

12) القانون الدستوري والنظم السياسية النظرية العامة للدولة للدكتور منصور ميلاد يونس  الطبعة الثانية الجزء الأول ص 306

13) كتاب هل الإسلام هو الحل لماذا وكيف للدكتور محمد عماره مطبوعات دار الشرق الطبعة الثانية 1998 ص 66